هاشتاغ
بحث

سوريا ليست شركة خدمات عسكرية

14/03/2026

سوريا-ليست-شركة-خدمات-عسكرية

شارك المقال

A
A

رأي - محمد محمود هرشو

 

في كل مرة تشتعل فيها حرب في الشرق الأوسط، يظهر نوع خاص من الساسة يرى في النار المشتعلة فرصة لا خطراً. ليس لأن الحرب ضرورة وطنية، بل لأنها قد تتحول إلى ورقة اعتماد لدى القوى الكبرى. هذا تحديداً ما توحي به التسريبات المتزايدة حول استعداد السلطة في دمشق لطرح دور عسكري سوري في المواجهة الدائرة مع حزب الله على الساحة اللبنانية.

 

المشكلة في هذه الفكرة لا تكمن فقط في خطورتها العسكرية، بل في المنطق الذي تقف خلفه. فالدولة التي خرجت بالكاد من حرب أهلية طويلة، وفقدت جزءاً كبيراً من بنيتها الاقتصادية والاجتماعية، لا يمكن أن تفكر في فتح جبهة جديدة خارج حدودها إلا إذا كان القرار مدفوعاً بحسابات سياسية ضيقة لا علاقة لها بمصالح المجتمع.

 

التسريبات المتداولة في الصحافة الإقليمية والدولية تشير إلى صورة مقلقة. تقارير تحدثت عن نشر آلاف الجنود السوريين على الحدود مع لبنان، وعن تمركز "وحدات نخبة" من الإيغور في منطقة القصير مقابل مدينة الهرمل اللبنانية. كما تحدثت مصادر أمنية عن استعدادات لسيناريو قد يتطور إلى توغل داخل الأراضي اللبنانية إذا ما توسعت المواجهة مع حزب الله.

 

الأخطر أن بعض هذه التقارير يربط بين هذه التحركات وبين تصور لدى بعض دوائر الحكم في دمشق بأن الحرب الحالية قد تفتح فرصة لإعادة رسم التوازنات على الحدود اللبنانية - السورية. فمع انشغال إيران وحزب الله في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، قد تبدو اللحظة مواتية لبعض الأطراف لتصفية حسابات قديمة أو لإعادة ترتيب النفوذ في المنطقة الحدودية.

 

لكن مثل هذه الحسابات ليست فقط خطرة، بل قصيرة النظر إلى حد كبير.

 

لبنان ليس ساحة فارغة يمكن الدخول إليها عسكرياً دون عواقب. إنه بلد يقوم على توازنات داخلية شديدة التعقيد، وأي تدخل عسكري خارجي فيه لن يؤدي إلى إضعاف حزب الله بقدر ما سيؤدي إلى إشعال صراع إقليمي جديد فوق أرضه. كما أن أي محاولة سورية للانخراط في هذه المواجهة ستعيد فوراً إلى الواجهة ذاكرة الوصاية السورية التي دفع اللبنانيون والسوريون معاً أثمانها السياسية الثقيلة.

 

الأكثر إثارة للقلق هو ما تكشفه بعض التقارير عن طبيعة الحسابات التي تحكم هذا التوجه. فمصادر دبلوماسية تحدثت عن تعاون استخباراتي متزايد بين دمشق وواشنطن في ملفات تتعلق بحزب الله، وعن تقدير لدى بعض الدوائر السورية بأن الانخراط في المواجهة قد يمنح السلطة الجديدة أوراق اعتماد إضافية لدى الغرب.

 

إذا صحّ هذا التقدير، فنحن أمام منطق بالغ الخطورة: تحويل الدولة إلى مزود خدمات أمنية في صراعات الآخرين.

 

هذا النوع من التفكير قد يمنح السلطة مكاسب سياسية قصيرة الأمد، لكنه يحمل كلفة استراتيجية هائلة. فالحروب لا تُدار كصفقات دبلوماسية، والدماء التي تُسفك في ساحات القتال لا تتحول لاحقاً إلى استثمارات سياسية مستقرة.

 

ما تحتاجه سوريا اليوم ليس مغامرة عسكرية جديدة، بل خروجاً كاملاً من منطق الحروب الذي دمّرها طوال العقد الماضي. إعادة بناء الدولة، استعادة الاقتصاد، وترميم المجتمع المنهك، هي المعركة الحقيقية التي يفترض أن تخوضها أي سلطة تدير المرحلة الانتقالية.

 

أما تحويل البلاد إلى لاعب عسكري في صراعات الجوار، فلن يكون أكثر من تكرار لنمط سياسي قديم دفع السوريون ثمنه باهظاً.

 

الدول تُقاس بقدرتها على حماية مجتمعاتها من الحروب، لا بقدرتها على بيع خدماتها فيها.

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026