رأي - محمد محمود هرشو
هناك مدن تُزار، ومدن يُقام فيها، ومدن قليلة تتحول مع الزمن إلى مساحةٍ أوسع من مجرد مكان للعيش. الإمارات، بالنسبة لكثيرين في هذا العالم العربي المضطرب، كانت واحدة من هذه المساحات النادرة: مكاناً يمنح الإنسان فرصة أن يعيش ببساطة، وأن يعمل، وأن يشعر بأن حياته ليست معلّقة دائماً بخيط الخوف.
لم تأتِ قيمة التجربة الإماراتية من خطاب سياسي أو من شعارات كبيرة، بل من شيء أبسط بكثير: القدرة على بناء دولة تعمل. دولة تُدار بكفاءة، تحترم القانون، وتتعامل مع البشر على أنهم أفراد يبحثون عن فرصة للحياة والعمل، لا على أنهم مجرد رعايا أو جماعات طائفية أو أيديولوجية.
في بلدٍ صغير المساحة نسبياً، نشأت اثنتان من أكثر المدن تنوعاً في العالم. في دبي وأبوظبي يمكن أن تسمع عشرات اللغات في الشارع الواحد، وأن ترى وجوهاً من كل القارات. ليس هذا مجرد تنوع سكاني، بل تجربة اجتماعية نادرة في منطقة اعتادت أن تضيق بالاختلاف وتخاف منه.
بالنسبة لكثير من العرب، كانت الإمارات محطة عمل أو رزق. لكن بالنسبة لآخرين، كانت أكثر من ذلك بكثير: ملاذاً من الفوضى التي التهمت بلدانهم.
السوريون يعرفون هذا المعنى جيداً. فمنذ سنوات طويلة، وقبل الحرب وبعدها، فتحت الإمارات أبوابها لعشرات آلاف السوريين الذين وجدوا فيها فرصة لبناء حياة طبيعية حين كانت بلادهم تغرق في العنف والانهيار.
لم يُسأل القادم إلى هنا عن طائفته أو انتمائه السياسي، ولا عن موقعه في خرائط الصراعات التي مزقت المنطقة. كان السؤال الأهم دائماً: ماذا تستطيع أن تفعل؟ ماذا يمكنك أن تضيف؟
في الإمارات عمل السوري الطبيب والمهندس والمعلم والصحفي والتاجر. أسس شركات، وشارك في بناء مشاريع، وربى أبناءه في مدارس آمنة، ونجح في استعادة جزء من الحياة التي سُرقت منه في بلده الأم.
هذه ليست قصة السوريين وحدهم. إنها قصة ملايين البشر الذين جاءوا من آسيا وأفريقيا وأوروبا بحثاً عن فرصة.
قوة الإمارات الحقيقية لم تكن في النفط وحده، بل في القدرة على تحويله إلى مشروع دولة حديثة: بنية تحتية متقدمة، مؤسسات تعمل، ومدن تُدار بعقلية المستقبل لا بعقلية الصراعات القديمة.
وسط منطقة أنهكتها الحروب والانقسامات، بدت الإمارات كأنها تسير في اتجاه مختلف: البناء بدل الهدم، الاقتصاد بدل الشعارات، والاستثمار في الإنسان بدل استهلاكه في معارك لا تنتهي.
ربما لهذا السبب يشعر كثير ممن عاشوا هنا بأنهم لم يكونوا مجرد ضيوف. كانوا جزءاً من تجربة أكبر، تجربة تقول إن العالم العربي ليس محكوماً بالضرورة بالفوضى والخراب.
الإمارات بلدٌ جميل في إنسانيته وكرم مجتمعه، لكنها أيضاً دولة قوية بما يكفي للدفاع عن تجربتها وعن مكتسباتها. بلدٌ يفهم أن التنمية ليست مجرد أبراج أو طرق سريعة، بل مشروع طويل يحتاج إلى حماية واستقرار.
ولهذا السبب بالضبط، ستبقى هذه البلاد تمضي في طريقها: تبني، وتطوّر، وتفتح أبوابها للعالم.
أما الشامتون.. فسيبقون خارج هذه التجربة، يراقبون من بعيد بلادا اختارت الحياة بينما اختاروا هم الضجيج وبث الأحقاد.


