هاشتاغ
بحث

مؤشرات سوريا للحرب الإقليمية

16/03/2026

مؤشرات-سورية-للحرب-الإقليمية

شارك المقال

A
A


مازن بلال


من منظور كلاسيكي فإن الملامح الأساسية للحرب القائمة تعطي تفسيرات عن إعادة تشكيل الإقليم من جديد، ففي مثل هذه الحروب لا تبدو الهزيمة أو النصر محسومة فوق جغرافيا واضحة، فالحرب قائمة فوق "مجال دولي"، ومرتبطة بتوازنات تاريخية ظهرت مع بداية "حقبة النفط"، وفي الحسابات العادية فإن الحرب اليوم تشكل عتبة خطرة لأنها تحمل كل احتمالات الانزلاق لصراع دولي أعنف.


في مثل هذه الحروب فإن دولة مثل سوريا ستكون جزءاً من نتائج الحرب، فهي مثل باقي دول المنطقة ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى، ومكنت نفسها واستقلالها بناء على ما أفرزته الحرب العالمية الثانية، وفي الصراع القائم اليوم فإن التصور الأوضح ليس في نهاية الحرب؛ بل في نوع العلاقات التي يمكن أن تظهر بعد "درجة العنف" الذي شهدناه منذ بداية الهجمات الأمريكية – "الإسرائيلية" ضد إيران.


عملياً فإن المؤشرين الأساسيين المرتبطين بسوريا كانا واضحين منذ البداية؛ ظهور نظام سياسي جديد لم يكن بعيداً عما يجري اليوم، فهو النقطة التي بدأت منها عمليات التحول القصوى لإعادة إنتاج العلاقات الإقليمية، فتحولت الهوية السياسية السورية المعروفة تاريخياً نقطة "صدام إقليمي" إلى شكل "سائل" تم وضعه على هامش الصراع الحالي.


المؤشر الثاني هو السوية السياسية المنخفضة نسبياً لمعالجة مساحة الحرب، فالعنف لا يتناسب مع طبيعة التحركات الدبلوماسية عربيا على الأقل، وهذا يعني أن الشرق الأوسط عموماً محصور في أضيق مساحة سياسية وينتظر الحسم على المستوى الدولي، فهناك انعدام للمبادرات الإقليمية بعد ما انتهى زمن السيادة الوطنية المطلقة.


في هذا السياق تبدو سوريا التي كانت في عقود طويلة إحدى العقد الجيوسياسية الأكثر حساسية في الشرق الأوسط؛ مساحة اختبار لتوازنات متعددة؛ إذ إنها لم تعد الدولة الوطنية قادرة وحدها على ضبط المجال الجيوسياسي الذي تتحرك فيه، فوسط الحرب تظهر مرحلة إعادة تعريف للدور السوري في المعادلة الإقليمية؛ إذ إنها تنتقل من لاعب مركزي إلى مساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية، وهو تحول ما زال يلقي بظلاله بشكل النظام الإقليمي الجاري تشكله.


المفارقة أن هذا التراجع للدور السوري يحمل إمكانية عودة مختلفة، ففي لحظات التحولات الكبرى في التاريخ الدولي، غالباً ما تستعيد الجغرافيا السياسية أهميتها، وسوريا، بحكم موقعها، تظل عقدة استراتيجية يصعب تجاوزها في أي ترتيب إقليمي مستقبلي، والسؤال لا يتعلق بما إذا كانت سوريا ستعود إلى المعادلة، بل بكيفية عودتها وبالشروط السياسية التي ستحدد تلك العودة.


الحرب الدائرة اليوم لا تعيد تشكيل خرائط النفوذ فقط؛ بل تعيد طرح السؤال القديم عن طبيعة الدولة في الشرق الأوسط، فالدول التي نشأت في ظل النظام الدولي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية تواجه اليوم اختباراً جديداً في ظل تحولات عميقة في موازين القوة العالمية، وسوريا، بوصفها إحدى أكثر هذه الدول تعرضاً للهزات، ستظهر في صورة معبرة شكل الشرق الأوسط القادم.


الحروب الكبرى لا تكتب نهاياتها في ساحات المعارك فقط؛ بل في البنى السياسية الجديدة التي تنشأ بعدها، وسوريا مرة أخرى إحدى النقاط التي سيتحدد عندها شكل التوازنات المقبلة في الشرق الأوسط.

الحروب الكبرى لا تكتب نهاياتها في ساحات المعارك فقط؛ بل في البنى السياسية الجديدة التي تنشأ بعدها، وسوريا مرة أخرى إحدى النقاط التي سيتحدد عندها شكل التوازنات المقبلة في الشرق الأوسط.

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026