رأي - أيهم أسد
يقول الخبير الدولي المتخصص بشؤون التحولات السياسية والدول الهشة سيث د. كابلان إنه من خصائص الدول الفاشلة أنها تقوم على تنافس المجموعات على استخدام المؤسسات الرسمية لأغراضهم الشخصية، فإذا سيطرت مجموعة ما على أدوات الدولة فإنها تقحم عناصرها في المناصب المهمة وتبدأ استنزاف ثروات البلد، وعوضاً عن تشكيل سياسة قد تشجع النمو تعمل العصبة الحاكمة على التحكم بالأصول المالية لتكوين الثروات، وتقيد الأسوق وتحرم جمهور الناخبين من بعض حقوقهم المشروعة وحتى أنها تخدع الأجانب من أجل تقديم مساعدات أكثر.
ويتابع "كابلان" توصيفه الدولة الفاشلة قائلاً: "إنه حتى المجموعات التي تكون خارج السلطة ترى أن الدولة غير شرعية وتسعى إلى تجاوزها وحين يمتد التعاون بروابط العشيرة فإن هذا التعاون غالباً ما يكون لمصالح مؤقتة مثل تنافس المجموعات ذات الخلفيات المختلفة لنيل مكاسب في ظل غياب القانون عموماً داخل المجتمع ليمتص ذلك التعاون الأموال من كل شيء بدءاً من مشروعات بناء الدولة مروراً بمناجم الذهب وحتى الصراعات".
ويختم "كابلان" توصيف الدولة الفاشلة بقوله: "إن في مثل هذه الحالات يمكن التلاعب بتمزيق الانتماءات لمكاسب شخصية أو سياسية قريبة الأمد، وهذا يؤدي إلى توسيع الفجوة بين المجموعات".
وبإسقاط مضمون الدولة الفاشلة على الحالة السورية نجد أن سوريا ومنذ عقود تنطبق عليها تلك الخصائص تماماً، فبموجب المعايير المكثفة عن الدولة الفاشلة المذكورة سابقاً فإنه يمكن تصنيف سوريا على أنها "دولة فاشلة" فعلاً.
كما أن السمات العامة لوضعها الراهن بعد سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024 لا يعطي أي إشارات أنها تجاوزت حالة الدولة الفاشلة، أو أنها تسعى إلى تجاوزها على الأقل؛ بل هناك الكثير من السلوكيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة الحالية تكرسها كدولة فاشلة، وهذا معناه أن هذه السمة ملازمة للدولة السورية من أكثر من 60 عاماً حتى الآن وأنها مستمرة، وهنا بالضبط مكمن الخطورة، أي في كونها مستمرة وتدار على أنها "دولة فاشلة".
تحتاج سوريا اليوم إلى مشروع إصلاح وطني مركب سياسي واقتصادي واجتماعي ينزع عنها صفات الفشل، تحتاج إلى ديمقراطيات سياسية وحريات عامة حقيقة وإلى إدارة اقتصاد مبني على المؤسسات لا الأشخاص وتوزيع الثروات الوطنية بعدالة ويحقق العدالة الاجتماعية وإلى إحلال السلام الاجتماعي ومنع العنف، وإلى دمج السوريين في هوية وطنية واحدة متجاوزين فيها الهويات دون الوطنية.
ومن دون ذلك المشروع الإصلاحي الوطني الحقيقي ستبقى سوريا "دولة فاشلة" أياً كان نظامها السياسي، وستكون دائماً دولة مهددة بالانهيار، ودولة تعصف بها الأزمات الداخلية، ودولة تتحكم بها دول خارجية.
ستبقى سوريا "دولة فاشلة" أياً كان نظامها السياسي، من دون ذلك المشروع الإصلاحي الوطني الحقيقي...


