رأي - محمد محمود هرشو
هي ليست مجرد قصة عن الكحول، وليست مسألة تنظيم مطاعم أو تراخيص..
ما جرى في القرار رقم 311 هو شيء أعمق بكثير: محاولة هادئة، لكنها حاسمة، لإعادة تشكيل حياة مدينة كاملة على مقاس سلطة ترى نفسها وصية على الناس، لا ممثلة لهم.
في توقيت تعيش فيه المنطقة انفجاراً إقليمياً قد يغير شكلها لعقود أو قرون، اختارت السلطة في دمشق أن تفتح معركتها الخاصة، ليس مع الفقر، ولا مع انهيار الخدمات، بل مع أنماط حياة الناس. مع ما يشربونه، وأين يجلسون، وكيف يعيشون يومهم العادي.
القرار جاء بسيطاً في لغته، لكنه عنيف في أثره: منع تقديم المشروبات الروحية، وتحويل الملاهي إلى "مقاهٍ". جملة واحدة تكفي لنسف قطاع كامل. آلاف العاملين، استثمارات عمرها سنوات، ونمط اقتصادي قائم بذاته، يُمحى فجأة، بلا نقاش، بلا بدائل، بلا حتى محاولة تبرير مقنعة.
لكن ما يجعل هذا القرار أكثر خطورة ليس المنع نفسه، بل الطريقة.
قيل إن هناك "استثناء". ثلاث مناطق فقط: باب توما، القصاع، باب شرقي. لكن هذا الاستثناء، في الحقيقة، يشبه باباً مغلقاً كُتب عليه "مفتوح". شرط الابتعاد 75 متراً عن كل شيء تقريباً (جامع، كنيسة، مدرسة، مقبرة). وفي مدينة كدمشق القديمة، يعني هذا شيئاً واحداً: لا أحد سيحصل على ترخيص.
هكذا، يصبح المنع كاملاً، لكن بصياغة قانونية ناعمة.
وهنا، لا يعود الحديث عن كحول أو مطاعم، بل عن فكرة أخطر: تقسيم الحقوق. عندما يُسمح بشيء في حي ويُمنع في آخر بناءً على طابعه الديني، فإن الدولة لا تنظم، بل تعيد تعريف المواطنة نفسها.
لم تعد مواطناً متساوياً في كل مكان، بل ابن حيّ، محكوم بهويته الجغرافية.
وهذا ليس تفصيلاً. دمشق، التي كانت عبر تاريخها مدينة "الكل"، تُدفع اليوم لتصبح مدينة "كلٌ في مكانه". جزيرة هنا، وجزيرة هناك. ومعيار غير معلن: من يُسمح له أن يعيش كيف، وأين.
الأكثر إثارة للسخرية هو التبرير: "شكاوى الأهالي". أي أهالٍ؟
أولئك الذين يعيشون بلا كهرباء؟ بلا ماء؟ بلا دخل ثابت؟
أولئك الذين لم تُحل مشاكلهم الأساسية منذ سنوات؟
لماذا تصبح الدولة سريعة وحاسمة فقط عندما يتعلق الأمر بالحريات الشخصية؟
لماذا لا نرى هذه الحماسة عندما يتعلق الأمر بكرامة الناس اليومية؟
الإجابة، وإن لم تُقل، واضحة: هذه ليست إدارة، هذه محاولة فرض نموذج.
نموذج لا يعترف بتنوع دمشق، ولا بتاريخها، ولا بطبيعتها كمدينة مفتوحة.
نموذج يرى في الاختلاف مشكلة، وفي الحياة اليومية شيئاً يجب ضبطه، تقليصه، وربما إعادة تعريفه بالكامل.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
لأن ما يحدث لا يبدو كقرار منفصل، بل كجزء من مسار يتقدم بهدوء: خطوة بعد خطوة، تضييق بعد تضييق، حتى يصبح ما كان طبيعياً.. استثناء، وما كان استثناء هو القاعدة.
دمشق لا تُغلق دفعة واحدة. هي تُغلق تدريجياً. بقرارات صغيرة، لكن آثارها كبيرة.
وفي النهاية، ربما من الضروري قول ما يجب أن يُقال بوضوح:
هذه ليست معركة "كحول" ولا دفاعاً عنه.
أنا شخصياً لم أتذوق في حياتي أي مشروب كحولي، ونشأت في بيئة كانت تنظر إليه باعتباره محرّماً بشكل قاطع، وبقي موقفي منه قائماً على قناعة دينية وصحية واجتماعية.
لكنني، في الوقت نفسه، عشت هذه المدينة كما هي: جلست مع أصدقاء يختلفون عني، احتسوا ما يريدون، واحتسيت قهوتي، وضحكنا معاً دون أن يشعر أحدنا بأنه وصي على الآخر.
هكذا كانت دمشق، وهكذا نريدها أن تبقى.
واليوم، لم يعد السؤال: هل يُسمح بالكحول أم لا؟
السؤال الحقيقي هو: أي مدينة يُريدونها هم لدمشق أن تكون؟
مدينة تتسع للناس، أم مدينة تُعاد صياغتها قسراً؟
القرار 311 يجيب بصوت خافت.. لكنه واضح جداً، لمن ما زال لديه أذنان ليسمع وعينان ليرى وعقل ليقرأ ما وراء السطور.


