مازن بلال
التطور الأخير ودخول لبنان في المواجهة الإقليمية رسم مشهداً جديداً، فالضربات المتبادلة أصبحت تحاصر أي مبادرة سياسية يمكن أن تظهر في الأفق، والمسألة اليوم لا ترتبط بلبنان؛ بل بسوريا أيضا من دون أن يعني هذا الأمر معارك عسكرية؛ بل إرباك سياسي وسط مخاوف من فوضى بعد تهديدات "داعش" وارتفاع وتيرة عملياتها قبل أسبوعين.
عملياً الحرب الإقليمية لا تعني بالضرورة الانخراط المباشر بالمعارك، إنما الانعكاس الذي يظهر خصوصاً في ظل هشاشة سياسية واضحة، فالشرق الأوسط دخل طوراً جديداً من إعادة تشكيل موازين القوى، غير أن خصوصية الحالة السورية لا تكمن في كونها جزءاً من محور يتعرض للاستهداف؛ بل في أنها خرجت قبل أكثر من عام من المظلة الإيرانية، بينما تقلص النفوذ الروسي إلى حضور عسكري محدود في قاعدتين ساحليتين بلا عمق داخلي مؤثر، فتجد سوريا نفسها بلا حليف ثقيل، وبلا محور صلب، وفي قلب عاصفة إقليمية تتجاوزها.
لم تعد سوريا منصة صريحة للصراع، لكن الجغرافيا لا تعترف بالانسحابات، فالتوتر المتصاعد بين إسرائيل وإيران يرفع احتمالات الاحتكاك غير المباشر، سواء بأخطاء ميدانية أم بحسابات استباقية، ومع غياب شبكة ردع متكاملة، يصبح أي تصعيد محدود قابلاً للتوسع.
كما ترى بعض القوى الإقليمية، خصوصاً تركيا وبعض الدول العربية، أن اللحظة مناسبة لإعادة تثبيت نفوذها في سوريا، مستفيدة من حدة الصراع الإقليمي، وهذا لا يعني تدخلاً عسكرياً مباشراً؛ بل نفوذاً اقتصادياً وأمنياً متدرجاً، وفي الوقت نفسه ما زالت سوريا تواجه تهديدات أمنية كامنة، أبرزها إعادة تنشيط خلايا تنظيم "الدولة الإسلامية" في بعض مناطق الشرق والشمال، كما أن التوترات المحلية بين مكونات اجتماعية متعددة لم تُحل جذرياً؛ بل جُمّدت بفعل الإرهاق العام.
السؤال المركزي هل تستطيع سوريا التحول من "ساحة صراع" إلى “دولة فاصلة” بين المحاور؟
إذا أحسنت سلطة دمشق إدارة علاقاتها، بالحفاظ على مسافة متوازنة من الصراعات الكبرى، وفتح قنوات اقتصادية متعددة، وتعزيز مؤسساتها الأمنية، فستستفيد من لحظة السيولة لإعادة تثبيت سيادتها، أما إذا بقيت أسيرة هشاشة اقتصادية وتنافس إقليمي غير منضبط، فستعود مجدداً إلى ساحة تصفية حسابات.
الحرب على إيران ليست حرب سوريا، لكنها تجري على تخومها النفسية والجغرافية، ومع غياب بعد دولي قوي داخل سوريا فإنها تدخل مرحلة اختبار قاس للقدرة على إدارة الفراغ، لا الاحتماء بالمحاور.
المستقبل السوري لن يتحدد فقط بنتائج الحرب على طهران؛ بل بمدى قدرة الدولة على تحويل لحظة الانكشاف إلى لحظة إعادة تأسيس، بين الخطر والإمكان، تقف سوريا في منطقة رمادية، فهي ليست جزءاً من محور منتصر، ولا من محور مهزوم؛ بل دولة تبحث عن موقعها في شرق أوسط يُعاد رسمه بتأثير ضغط النار.
بين الخطر والإمكان، تقف سوريا في منطقة رمادية، فهي ليست جزءاً من محور منتصر، ولا من محور مهزوم؛ بل دولة تبحث عن موقعها في شرق أوسط يُعاد رسمه بتأثير ضغط النار.


