رأي - نضال الخضري
يتقلص الزمن في زمن الحروب، فيلغي حزمة التفاصيل التي تخلق الفرح، وتصبح نشرات الأخبار "المرشد" لساعات النهار، فعندما بدأت المعارك قبل أسابيع كانت التصورات مختلفة، وتفكيرنا أيضا يتجه نحو حالات لم نألفها، فكنست الحرب كل تفكيرنا وجعلتنا مثقلين بهموم جديدة تؤرقنا أكثر، فنحن أيضاً نخوض صراعاتنا دون صواريخ وقصف، واشتعال الخليج وإيران أشعل في داخلنا مساحة القلق من أن الحروب لا ترحم أحد.
ندخل "العيد" ونحن نسير على جسر ضيق بين زمنين؛ الأول يخص سوريا التي تراقب الحرب وهي مثقلة بهمها الداخلي، وبتقلبات التحول الثقافي المفروض وكأنه قدر يحاصرنا، والزمن الثاني يتجول في "غرب آسيا" يحذر الجميع بأن صوراً سياسية جديدة قادمة ربما تبدل من كل أشكال الحياة التي تعرفت عليها الأجيال منذ منتصف القرن الماضي.
نحاول إعادة تعريف الفرح في زمن الحرب، وأن نجعل الحدث اليومي يسير في هامش بعيد، فترتسم أمامنا أحداث غير متوقعة وحالة من اللايقين الذي يتصل بسير المعارك، فنحن والشكوك التي خلقها عقد ونصف من الزمن السوري الاستثنائي نعيد ترتيب ما حصل وسط ذاكرة مثقلة بالخيبات والأمل، ونحاول أن نلتقط ما تبقى من قدرة على الاحتمال، كأننا نختبر مرونة الروح في أقسى ظروفها.
يتحول العيد من مناسبة مكتملة المعنى إلى اختبار داخلي؛ يصبح امتحاناً في فهمنا لأنفسنا، فالفرح لم يعد غياباً للحزن، بل شكلاً من أشكال مقاومته، ومحاولة عنيدة لإبقاء الحياة في حدها الأدنى الممكن، فالسوريون، الذين خبروا طويلاً تداخل الأزمنة وتكسر اليقين، لا ينظرون إلى ما يجري بوصفه حدثاً بعيداً، فكل حرب جديدة، تستدعي أسئلة لم تُغلق بعد، فماذا يعني أن تكون جزءاً من جغرافيا تتنازعها القوى؟ وكيف يمكن لمجتمع أنهكته التحولات أن يجد موقعه في خريطة يعاد رسمها باستمرار؟ أسئلة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، وإلى الأحاديث العابرة، وإلى الصمت الثقيل الذي يسبق أي تحليل.
اللايقين الذي يلف الجميع لا يسمح بتوقعات حاسمة، أو تصورات جديدة لكل الإيمان بأن الأعياد زمن استرخاء، وأن اليقين لم يعد حالة يمكن أن تستمر طويلاً، بل عملية لا تتوقف من البحث وإعادة التقييم، والعيد رغم كل شيء، يظل مساحة رمزية تذكر بإمكانية استعادة المعنى، فحتى في أكثر اللحظات قتامة، يبقى هناك هامش ضيق يمكن للإنسان أن يتمسك به، ويصنع فيه توازنه الخاص، ويعيد من خلاله تعريف علاقته بالعالم.
بين حرب تقترب وأخرى لم تبتعد أبداً نمضي في اختبار يومي لقدرتنا على العيش، لا بوصفه أمراً سهلاً أو يمكن معاينته بشكل طبيعي، بل كفعل إرادي يحتاج إلى شجاعة مستمرة، حيث لا يكون الفرح ترفاً، بل ضرورة، ولا يكون العيد مناسبة عابرة، بل علامة على أن الحياة، رغم كل ما يحيط بها، لا تزال ممكنة.


