رأي - مازن بلال
تبدو سوريا خارج مساحة "الاختناق الإقليمية"، فالحرب في محيطها لا تمس أزمتها الداخلية أو حتى طبيعة العلاقات في سياساتها الخارجية، فلا رهانات واضحة على مآلات أو تداعيات الحرب القادمة، فمن القراءة الأولية فإن الصراع وربما لأول مرة يجري بعيداً عن "المجال الحيوي" الذي يتم التعامل معه بعد انهيار النظام السياسي السابق، وعلى الرغم من أن الحرب الحالية مهما كانت نتائجها ستغير من طبيعة العلاقات الإقليمية، لكنها لا تظهر في مساحة السياسة السورية الحالية.
عملياً يصعب فهم نتائج الحرب ضمن تصور واحد بوجود منتصر ومهزوم؛ لأن حجم القوة المتبادلة لا يدمر "الخصم" المباشر فقط؛ بل يعيد تشكيل هيكل السياسة الشرق أوسطية عموماً، ويدفع باتجاه إعادة توزيع مراكز النفوذ، سواء بإضعاف الفاعلين التقليديين أم بصعود قوى جديدة تستثمر في الفراغات الناشئة، وتبدو سوريا في موقع خطر فهي ليست خارج التأثير تماماً، لكنها أيضا لا تدخل في صلب معادلة الصراع المباشر، وهذا يضعها في حالة "انتظار استراتيجي" أكثر من كونها لاعباً مبادراً.
هذا التموضع يطرح إشكالية مزدوجة؛ إذ إنه يخفف من الضغوط العسكرية المباشرة ويمنح هامشاً من الاستقرار النسبي، لكنه يحرم دمشق من القدرة على التأثير في مسارات إعادة التشكيل الإقليمي، لتبقى أقرب إلى متلقٍّ لنتائج التفاهمات أو الصراعات، بدل أن تكون طرفاً في صناعتها، فتتحول السياسة السورية إلى حالة دفاعية، تركز على تثبيت المكتسبات الحالية بدل توسيعها.
في العمق، لا يمكن فصل هذا التموضع عن طبيعة التحولات التي شهدها النظام الإقليمي بعد حرب غزة؛ إذ تراجعت فكرة "المحاور الصلبة" لصالح شبكات أكثر سيولة من التحالفات المؤقتة والتقاطعات الظرفية، وربما كانت سوريا الأكثر تأثراً لأن انهيار النظام السياسي السابق شكل تحولاً جيوسياسياً أكثر من كونه تبدلاً للسلطة في دمشق.
لا تقف سوريا خارج الحرب الإقليمية؛ بل على هامشها المتحرك، وستتأثر بها من دون حتى لو لم تنخرط في معاركها، فتجاهل الحرب اليوم على الأقل ضمن الخط العريض للسياسة السورية لن يعفيها من التأثر بما سيحمله الشرق الأوسط القادم، فهناك "حياد قسري" لكنه لا يشكل أي مساحة أمان لمستقبل سوريا بعد انتهاء المعارك وإعادة توزيع النفوذ في المنطقة من جديد.
لا تبدو سوريا اليوم أمام خيار الالتحاق المباشر بصراعات الإقليم بقدر ما تجد نفسها أمام اختبار إدارة موقعها الهامشي من دون أن يتحول إلى عزلة دائمة، وكيف يمكن تحويل "الانتظار" إلى فرصة لإعادة التموضع بدل أن يبقى حالة جمود سياسي، فالمشهد الإقليمي الجاري لا يعيد رسم الخرائط العسكرية فحسب؛ بل يؤسس لتوازنات بعيدة الأمد ستحدد شكل النفوذ والتحالفات لعقود مقبلة.
التحدي الحقيقي أمام دمشق لا يكمن في تجنب تداعيات الحرب، فهذا أمر يتجاوز قدرتها؛ بل في امتلاك رؤية سياسية قادرة على قراءة التحولات قبل اكتمالها، والانخراط في مساراتها بحدود الممكن، لا الاكتفاء بتلقي نتائجها، فالإقليم الذي يتشكل اليوم لن ينتظر المترددين، ومن يبق خارج معادلات التأثير سيجد نفسه داخل معادلات الإملاء.


