هاشتاغ
بحث

العصبية والخطاب العام في سوريا

26/03/2026

العصبية-والخطاب-العام-في-سوريا

شارك المقال

A
A

رأي - مالك الحافظ

 

منذ بداية المرحلة الانتقالية في سوريا، تشكّل في المجال العام نمط خطاب يقوم على التصنيف الطائفي والمناطقي عند تناول المواقف السياسية. فالنقاشات المرتبطة بأداء الحكومة الانتقالية، وبالسياسات الاقتصادية، وبملفات العدالة والتمثيل، تتداخل مع توصيفات هوياتية تضع الانتماء الديني أو الجغرافي في صدارة الحكم على الأفراد.

 

هذا المسار ترسّخ تدريجياً عبر منصات التواصل الاجتماعي بشكل أساسي، حيث يجري التعامل مع الاعتراض السياسي وفق موقع صاحبه داخل البنية الطائفية. المعارض المنتمي إلى البيئة الاجتماعية المفترضة للسلطة يُقدَّم في كثير من الخطابات كحالة شاذة أو مثيرة للريبة، حيث يتحول النقاش حول السياسات إلى مساءلة حول الهوية.

 

عند استخدام التصنيف الطائفي أو المناطقي في توصيف المعارضين لسياسات السلطة، يتغير موقع الخلاف داخل المجال العام، فبدلاً من أن يدور النقاش حول السياسات والقرارات، يتحول الاهتمام نحو هوية الشخص وموقعه الاجتماعي. ومع هذا التحول، يتراجع التعامل مع المعارض كفاعل سياسي يطرح رأياً، ويجري التعامل معه من خلال موقعه داخل الجماعة.

 

لقد أعاد خطاب الكراهية المتجدد ترتيب معايير القبول والرفض داخل المجتمع، حيث يأخذ معيار الولاء موقعاً مركزياً في تقييم الأفراد، ويُقاس عبر درجة الانخراط في السردية السائدة، وهذا ما يضعف المسافة بين السلطة والخطاب التعبوي.

 

كما أن تأثير هذا النمط يظهر في تحجيم مساحة النقد العلني، وفي إحجام شرائح من المجتمع عن التعبير عن مواقفها خشية التصنيف، حيث تميل البيئة العامة إلى الانضباط وفق منطق الانتماء، ويصبح الصوت المختلف عرضة للضغط الاجتماعي.

 

في العلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي يُنظر إلى الخطاب العام كساحة لإنتاج المعنى وتوزيع الشرعية. اللغة هنا آلية تنظيم للعلاقات داخل المجتمع، وعندما يُعاد تعريف المعارض وفق انتمائه الطائفي، فإن ذلك يعيد توزيع مواقع القوة داخل المجال العام، ويمنح الأفضلية لمن ينسجم مع السردية المهيمنة.

 

ومع الوقت، يساهم الخطاب في تحديد من يُنظر إليه كصاحب رأي مشروع داخل المجال العام، لأن اللغة المستخدمة في توصيف الفاعلين السياسيين ترسم حدود الجماعة السياسية وتحدد موقع كل فرد داخلها.

 

إن مفهوم "الهيمنة" كما طوّره أنطونيو غرامشي يفيد في قراءة هذه الظاهرة. الهيمنة لا تقوم على القسر المباشر وحده، إنما على بناء قبول اجتماعي عبر خطاب يقدّم رؤية معينة للعالم باعتبارها طبيعية وبديهية.

 

في حين تعيش سوريا مرحلة انتقالية تتطلب قدراً عالياً من الثقة المجتمعية، وانتشار خطاب يقوم على الطائفة والعصبية يراكم توتراً داخل الأحياء المختلطة، وفي مؤسسات التعليم والعمل. كذلك فإن العلاقات الاجتماعية تتأثر عندما يتحول الانتماء إلى عدسة أساسية لقراءة المواقف، حيث يُضعف هذا المسار قدرة المجتمع على إنتاج مساحات مشتركة للحوار حول مختلف القضايا.

 

بذلك فإن قدرة المجتمع على تنظيم ذاته خارج الاستقطاب تتراجع مع كل موجة تحريضية جديدة، وهذا التراجع ينعكس على فرص العيش المشترك وعلى مسارات إعادة الإعمار الاجتماعي.

 

إن مفهوم "العصبية" في الفكر الاجتماعي العربي، منذ ابن خلدون، يصف رابطة التضامن القائمة على الانتماء المشترك. في الدولة الحديثة، يُفترض أن تُستبدل العصبيات الأولية بعلاقة مواطنة قانونية.

 

العصبية تظهر في شكل روابط تضامن تقوم على الانتماء المشترك، وتظهر أيضاً في اللغة التي يستخدمها الناس في توصيف بعضهم بعضاً. فاللغة التي تقسم المجتمع إلى جماعات متقابلة تعزز الشعور بالانتماء داخل كل جماعة، وتدفع المجال العام نحو الاصطفاف، ومع تكرار هذا النمط من الخطاب، يتحول الانتماء إلى إطار يحدد الثقة السياسية ومواقع القبول والرفض داخل المجتمع، فتأخذ العصبية موقعاً متقدماً في تنظيم الحياة السياسية.

 

ولكن حين تعود العصبية لتكون معيار الثقة السياسية، فإن الدولة تدخل مرحلة إعادة تشكل على أسس ما قبل مدنية. وفي الحالة السورية الراهنة، يظهر أن العصبية لم تعد مجرد رابطة اجتماعية، وإنما تحولت إلى أداة تقييم سياسي، وهذا ما يُضعف فكرة التمثيل الوطني الشامل، ويعيد توزيع الشرعية داخل المجتمع على أساس الانتماء.

 

إن إدارة المرحلة الانتقالية تتطلب خطاباً سياسياً يرسخ مفهوم المواطنة المتساوية ويعيد الاعتبار للنقاش حول السياسات العامة. وأما استمرار التحريض الطائفي بين جمهور السلطة يحمّل الأخيرة كلفة سياسية على المدى المتوسط، ويؤثر في قدرتها على بناء قاعدة اجتماعية واسعة ومستقرة، إذ يرتبط استقرار الدولة ببيئة سياسية تسمح بالتعبير والنقد ضمن إطار قانوني واضح.

 

كما أن خطاب الكراهية يعيد إنتاج انقسامات داخل مجتمع يمر بمرحلة إعادة تشكيل مؤسساته، كذلك فإن قدرة الدولة على جذب استثمارات، وعلى بناء شراكات داخلية وخارجية، ترتبط بدرجة الاستقرار الاجتماعي والثقة المتبادلة بين مكوناتها.

 

ما يجري في المجال العام يرتبط بطريقة تعريف من يملك الشرعية داخل المجتمع، فالخطاب الذي يصنف الأفراد وفق انتماءاتهم يشارك في رسم حدود الجماعة السياسية، ويؤثر في تحديد من يُنظر إليه كممثل لمصالحها. ومع انتشار هذا النمط من الخطاب، تتغير طبيعة النقاش العام، ويتحول جزء كبير من الصراع إلى صراع حول من يملك حق التمثيل ومن يملك حق الكلام داخل المجال العام، كما أن طبيعة اللغة المستخدمة في السياسة تساهم في ترجيح نمط معين من العلاقات السياسية وتدفع المجتمع في اتجاهات محددة.

 

المشهد اليوم في سوريا يحتاج إلى إعادة توجيه النقاش نحو قضايا الحكم الرشيد، وإدارة الموارد، وإصلاح المؤسسات، لذا فإن التركيز المستمر على الهوية يستهلك طاقة المجتمع ويبعده عن أولويات المرحلة، كما يشكل ضبط الخطاب العام، وفتح المجال لنقاش سياسي قائم على البرامج، شرطاً عملياً لنجاح الانتقال السياسي.


التعليقات

الصنف

خطوط حمر

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

الكلمات المفتاحية

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026