نضال الخضري
تظهر الحرب في سوريا بشكل غير مألوف، فلا صفارات إنذار أو دوي انفجارات في السماء الا ما ندر، ولكن إيقاع المعارك موجود رغم عدم ظهور "الأثر العسكري"، فالحرب تحاصرنا بشكل "سري" عبر صدى التفاوض المرتقب، ومن خلال القلق الذي يظهر كشبح في الأفق؛ لأننا لا نستطيع تلمس الأثر الخفي الذي سيلاحقنا بعد أن تصمت انفجارات الصواريخ.
لا أعرف إذا كان ارتفاع سعر صرف الدولار جزء من الحرب، لأن زاوية النظر اليوم هي على مستوى البحث عن واقع السوريين الموزعين في الخليج، فهم بـ"مأمن" من كل الأثر المباشر للحرب، ولكنهم أيضا امتداد سوري داخل مناطق الخطر، وهامش اجتماعي داخل مناطق واسعة بقيت جزءاً من المخرج السوري في زمن الأزمات.
عبر تلك المسافة التي تفصل بين مكان آمن وبلاد تتقن إنتاج القلق، يظهر وجه آخر للحرب من خلال شعور عميق بأن المصير ما يزال معلقاً بخيط رفيع، وأن الاستقرار ليس إلا هدنة مؤقتة أمام ما تخلفه التسويات الكبرى حين تبدأ الخرائط بالتبدل، وحين تتحول الطاولات السياسية إلى مصانع لإعادة تعريف الناس، ومواقعهم وأدوارهم، وأحقيتهم في العودة أو البقاء.
السوري في الخليج لا يعيش الحرب بوصفها حدثاً بعيداً، حتى وإن بدا محاطاً بنظام يومي صارم، وعمل منتظم، فهو يعيشها من نافذة أخرى؛ من التحويلات المالية التي تزداد قيمتها الاسمية كلما انهارت الليرة، وتزداد مرارتها كلما اتضح أن المال لم يعد يكفي لترميم ما تهدم في الداخل، ومن المكالمات القصيرة مع الأهل، التي صارت تختصر الحياة كلها في سؤالين: كيف الوضع؟ وكم صار الدولار؟ ومن الإحساس المربك بأن النجاة الفردية ليست نجاة كاملة، ما دام البيت الأول ما يزال داخل العاصفة، وما دام الخوف قادراً على عبور الحدود أسرع من الطائرات.
لم تعد الحرب مجرد اشتباك على الأرض، بل صارت اقتصاداً كاملاً للقلق، فهناك قسوة خاصة في هذا النوع من الحروب، لأنها تجرّد الإنسان من قدرته على تحديد موقعه بدقة، فهل هو ناجٍ أم مؤجل الخسارة؟ هل هو خارج الحرب فعلاً أم أنه يعيش نسختها الاقتصادية والعاطفية؟ وهل يمكن لمن غادر الجغرافيا أن يغادر الأثر؟ لهذا تبدو الحرب، اليوم، أكثر غموضاً من صورتها التقليدية، فهي أقل صخباً، لكنها أكثر تسللاً إلى التفاصيل الصغيرة، فتظهر في اللغة والحسابات اليومية، وتعريف الأمان نفسه.
وما بين الداخل الذي يحيا على حافة الاحتمال، والخارج الذي يراقب بقلق ويشارك في دفع الكلفة، يتشكل عالم سوري جديد، لا هو في السلم تماماً ولا في الحرب بمعناها المألوف، إنه عالم معلق، يواصل العيش لأنه لا يملك رفاهية التوقف، ويواصل الخوف لأنه لا يملك ضمانة النهاية.


