رأي - مازن بلال
تبدو زيارة رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع إلى ألمانيا وسط الحرب الأمريكية ضد إيران حدثاً يحمل حساسية خاصة؛ إذ تختبر ألمانيا طبيعة التحول في سوريا منذ عام 2024، فالمباحثات التي ستجري مهما كانت طبيعتها أو مواضيعها ستشكل مساحة لرسم السياسة الأوروبية المستقبلية تجاه السلطة في دمشق، فاللقاء سيجري على إيقاع الحرب الإقليمية، لكنه في المقابل "مواجهة" دبلوماسية بين دولة استقبلت أكبر عدد من المهاجرين، وسلطة جديدة تحاول تأسيس شرعيتها عبر العلاقات الدولية.
تحاول برلين قياس قدرة السلطة الانتقالية على التحول من أمر واقع داخلي إلى شريك يمكن التعامل معه ضمن حسابات الدولة والمؤسسات، فلا تنظر إلى سوريا من زاوية الاعتراف الرمزي؛ بل من الكلفة والمصلحة والقدرة على إنتاج استقرار قابل للاستثمار السياسي، وأي حديث عن إعادة الإعمار أو التعاون الاقتصادي لن يكون منفصلاً عن سؤال أكثر مباشرة، هل تملك السلطة الجديدة ما يكفي من التماسك الأمني والإداري والسياسي لتكون شريكاً موثوقاً؟
عملياً فإن ألمانيا هي الدولة الأوروبية الأكثر التصاقاً بالملف السوري مع وجود مئات آلاف السوريين على أراضيها، وهذا جعل سوريا جزءاً من النقاش الداخلي الألماني، وبرلين تنظر إلى دمشق من ثلاث زوايا مترابطة:
الموضوع الأمني المتعلق بمنع أي انهيار جديد أو عودة شبكات العنف، فهذا الأمر يشكل نقطة الارتكاز لأي تعاون جديد مع الحكومة الانتقالية، فالرئيس الانتقالي يجري الزيارة وفي الخلفية مشهد مركب من العنف المستمر ما بين السويداء وصولاً إلى الساحل.
الزاوية السياسية مرتبطة بإمكانية بناء سلطة ذات شرعية أوسع من الغلبة العسكرية، فالاختبار الجدي الذي تنظر إليه برلين هو مسار السلطة الانتقالية، وكيفية بناء الثقة والعقد الاجتماعي الجديد، وهذا الأمر لا يزال موضع جدل ليس في ألمانيا فقط على مستوى الاتحاد الأوروبي.
الموضوع الاجتماعي ويرتبط بمستقبل اللاجئين وإمكانات العودة وشروطها، وهو ملف خاص بالسياسة الداخلية في ألمانيا، لكنه أيضاً يرتبط بنوعية السياسات العامة السورية التي ستساعد في المضي في حل هذا الموضوع.
الحرب الأمريكية ضد إيران تمنح اللقاء بعداً آخر، فبرلين تدرك أن سوريا تقع في قلب المجال الأكثر هشاشة في الإقليم، وأن أي انفتاح عليها يجري في لحظة تتسع فيها احتمالات الاشتباك بين واشنطن وطهران، فألمانيا لا تختبر فقط شكل السلطة الجديدة؛ بل موقعها الجيوسياسي، هل ستسعى هذه السلطة إلى تموضع أكثر استقلالاً، أم أنها ستبقى محكومة بتوازنات القوى المسلحة التي تدير المجال السوري؟ هذا السؤال لا يخص السياسة الخارجية وحدها؛ بل يؤثر في ملفات الاستثمار والطاقة وإعادة الإعمار، لأن رأس المال الأوروبي لا يتحرك في بيئة يهيمن عليها الغموض الاستراتيجي.
برلين تريد أن تعرف إن كانت "سوريا الجديدة" قابلة للإدماج، وسلطة دمشق تريد أن تعرف إن كانت أوروبا مستعدة للانتقال من الحذر إلى التعامل السياسي المنظم، وبين السؤالين تتحدد قيمة الزيارة، فهي ليست اختراقاً نهائياً، لكنها بداية لمرحلة يصبح فيها مستقبل العلاقة مع سوريا جزءاً من هندسة أوروبية أوسع، لا مجرد استجابة ظرفية لأزمة ممتدة.


