رأي - نضال الخضري
صورة الحرب في سوريا مختلفة، فهي لا تقاس بمساحة "الضيق" الاقتصادي المألوف بالنسبة للناس، ولا بأصوات الانفجارات لاعتراض الصواريخ، بل بتواصل أهلها مع معارفهم في دول كانت تشهد الأمان، فحتى مع الأمل الذي رافق الكثيرين في الانتقال نحو الخليج بات محاصراً ومصدر قلق ينتشر سريعاً، فبالنسبة للسوري عدم الأمان بات حالة ملازمة له.
الحرب ضد إيران ليست في صورها المنقولة عبر الشاشات، ولا في اختلاق الأخبار من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها استرجاع تاريخي قديم جدا يعيد للذاكرة الكتب المدرسية لزوال الإمبراطوريات ونشوئها، فالحروب نقرؤها دون تفكير بأن الزمن ربما يضعنا في وسطها، وعندما ندخل مرحلة اللايقين مع دموية الحروب ندرك أن جغرافيتنا منطقة خطر بامتياز.
مع بدء الحرب ظهر إحساس عميق بالهشاشة، فكل صراع إقليمي واسع يفتح تلقائياً الباب أمام احتمالات ترفع من القلق الذي يكتسح الجميع، وسوريا لا تشارك في الحرب إنما تعيش "الشد العصبي" الذي يرافق أزمة الطاقة وحصار "المعيشة" الذي يلاحق الجميع، فيتغير تعريف الأمان ويصبح مرتبطاً بقدرة الفرد على التخطيط لحياته في مدى زمني معقول.
السوريون الذين توزعوا بين الداخل ودول اللجوء أعادوا خلال السنوات الماضية بناء شبكات حياتهم على افتراض هشّ بأن الأسوأ مضى، لكن الزمن نادراً ما يمنح هذا النوع من اليقين، فالحياة التي تبنى على توقعات مؤقتة تشبه بيوتاً خفيفة تشيَد على أطراف الريح؛ تصمد لفترة لكنها تبقى تحت تهديد أول تغير مفاجئ، فهناك حذر مكتوم اليوم يجعلنا نسير على أرض تهتز في أي لحظة.
العبور إلى سوريا لم يعد مجرد حركة جغرافية من مكان إلى آخر، بل حالة نفسية معقدة تتداخل فيها الذكريات مع التوقعات، فالعائد أو الزائر يكتشف سريعاً أن البلاد لم تعد كما تركها، ليس فقط بسبب ما تغير في الشوارع أو الأبنية، بل لأن الناس أنفسهم تبدلوا، فهناك قلق في العيون لا يظهر في حديثهم، ونوع من الاقتصاد في الكلمات، وكأن التجربة الطويلة علمتهم أن الصمت أحياناً أكثر قدرة على التعبير من الكلام.
المدن تتعلم أيضاً كيف تتنفس من جديد، وتسترجع الرغبة العميقة لاستعادة الإيقاع الطبيعي للأيام، وفي البيوت تتشكل روايات جديدة عن الماضي القريب، فكل عائلة تمتلك نسختها الخاصة من الحكاية، بتفاصيلها الدقيقة التي لا تظهر في الأخبار ولا تُكتب في التقارير اليومية، فسردية الحرب تُصاغ من جديد لتشكل هالة قدسية للقلق الذي يلف الجميع.
يبقى العبور إلى سوريا تجربة تتجاوز حدود المكان، فهي اختراق لطبقات عميقة من الذاكرة الجماعية، حيث تختلط الخسارات الصغيرة بلحظات الصمود اليومية، وفي هذه المساحة بالذات تتشكل فكرة جديدة عن الحياة؛ رؤية أقل يقيناً، لكنها أكثر واقعية، وأقرب إلى فهم معنى الاستمرار في عالم لا يتوقف عن التغير.


