مازن بلال
يعود الحديث عن "أكراد إيران" وسط حرب إقليمية وبعد تجربة سياسية قاسية لأكراد سوريا، فبصرف النظر عن كافة النتائج التي أفضت إليها تجربة "قسد" في سوريا، لكنها قدمت نموذجاً للدور الوظيفي الذي دخله السوريون الأكراد في سوريا، والتعامل اليوم مع التوزع الكردي يدخل مرحلة حساسة مع ترتيبات الحرب الأمريكية، ولكنه يشكل عاملاً أخطر نظراً إلى انخراط واشنطن مباشرة في الحرب.
الدائرة المغلقة للتجربة الكردية السورية تحمل سمتين: الأولى في قدرتها على التعامل مع طبيعة الوظيفة بالضغط على دمشق طوال عقد ونصف إضافة إلى الصلابة والانتظام في مقاتلة "داعش"، والثانية أنها عجزت عن إيجاد آلية سياسية جامعة للطيف السياسي على الرغم من أنها استطاعت السيطرة على الامتداد الجغرافي للأكراد في سوريا، وهذه التجربة أوجدت رؤية بأن "الإدارة الذاتية" في الشمال الشرقي السوري يمكن أن "تستنسخ" التجربة العراقية على الأقل لإقليم كردستان العراق.
ما حدث عملياً معاندة تاريخية انتهت بحقوق لا ترقى إلى طروحات الإدارة الذاتية، فالدور الوظيفي الذي خلقته الإدارة الأمريكية انتهى فعلياً مع ظهور نظام سياسي في دمشق لا يملك عداء لواشنطن، وما يجري اليوم في إيران مشابه إلى حد كبير ما حدث في سوريا مع فارق عميق أن التجربة في إيران تملك تاريخاً أطول خصوصاً مع "جمهورية مهاباد" التي ظهرت في إيران عام 1946 وانهارت سريعاً نتيجة الترتيبات الدولية.
المقاربة الأساسية للتجربتين السورية والإيرانية في الموضوع الكردي هو الاستناد إلى التحولات الإقليمية، فالحرب على إيران اليوم تحتاج إلى عامل مرجح يجعل القوة الجوية الأمريكية – الإسرائيلية الضاربة من الجو تملك ذراعاً على الأرض لتحقيق تفوق نوعي على طهران، وإيران بصفتها دولة تملك "خليطاً" سكانياً فإن أي تحالف أمريكي مع الأكراد فيها سيدفع باقي الطيف الإيراني لمحاولة خلق عصبيات لنفسه خارج إطار الدولة القائمة حالية.
المعاندة التاريخية اليوم تظهر في أن التجربة الكردية في إيران، بخلاف ما جرى في سوريا، تجري في الهضبة الإيرانية التي شكلت مسرحاً لإمبراطوريات كبرى، فهوية الدولة اليوم حتى ولو اتخذت طابعاً دينياً، لكنها تستند إلى مسرح جغرافي أساسي في توازن غربي آسيا ككل، وهذا يجعل فكرة كسر الواقع الجيوسياسي الإيراني يتجاوز مسألة السلطة وهوية الدولة إلى بعد آخر مرتبط بالأمن الإقليمي ككل، والحرب اليوم هي رهان على توازن جديد يحمل فيه أكراد إيران موقعاً خاصاً تريد الولايات المتحدة استخدامه، لكنها في الوقت نفسه تنظر أبعد من "الحلم الكردي" لأنها تتعامل مع صراع يرتبط "بوسط آسيا" وليس فقط بمنطقة محدودة كما حدث في سوريا.
تبدو المسألة الكردية في إيران مرشحة إلى أن تتحول إلى عقدة جيوسياسية أكثر تعقيداً مما كانت عليه في الحالة السورية، فبينما جرت تجربة أكراد سوريا ضمن بيئة دولة منهكة بحرب طويلة وتحت مظلة تدخل دولي مباشر، فإن إيران تمثل حالة مختلفة تماماً، وأي محاولة لاستنساخ نموذج "الدور الوظيفي" الكردي في إيران لن تكون مجرد مسألة تتعلق بحقوق قومية أو ترتيبات حكم محلي؛ بل ستلامس توازنات أوسع تمتد من الخليج إلى القوقاز ووسط آسيا.
أي محاولة لاستنساخ نموذج "الدور الوظيفي" الكردي في إيران لن تكون مجرد مسألة تتعلق بحقوق قومية أو ترتيبات حكم محلي؛ بل ستلامس توازنات أوسع تمتد من الخليج إلى القوقاز ووسط آسيا.


