هاشتاغ
بحث

"جهاد" على المنابر.. من يدفع الثمن؟

03/04/2026

"جهاد"-على-المنابر..-من-يدفع-الثمن؟

شارك المقال

A
A

 رأي - محمد محمود هرشو

 

حاولت مرتين أن أبتلع غضبي. جمعتان متتاليتان وأنا أخرج من المسجد مثقلاً بما سمعت، محاولًا إقناع نفسي بأن الأمر عابر. لكنه ليس عابرًا.. بل سياسة تُدار أمام أعيننا.

 

في أحد مساجد دمشق الراقية، وقف الخطيب يهلّل لقرار منع الكحول وكأنه فتح تاريخي، ويتحدث عن "تمكين الله" و"طريقنا إلى القدس"، ويحمّل "الكفرة" من ليبراليين وماركسيين ومواقع إلكترونية مسؤولية تأخير النصر. لم أفهم الربط، لكنني فهمت أننا أمام خطاب يعيش خارج الزمن.

 

قلت: ربما استثناء. في الأسبوع التالي، ذهبت إلى مسجد عُرف بوسطيته. فإذا بالخطيب يتحدث عن" الجهاد" و"الخنازير"، ويكفّر من لم "يغزُ" في حياته. لحظة واحدة فقط احتجتها لأدرك أن المشكلة ليست في خطيب.. بل في منظومة.

 

اقتربت من الخطيب بعد الصلاة، سألته ببساطة: كيف نذهب للجهاد في فلسطين الآن؟ ارتبك. قال: "تجهّز.. لكن لا تذهب" . سألته: لماذا؟ أليست الدعوة قائمة؟ أليست المعركة على الأبواب؟ لم يجب. لأن الحقيقة واضحة: ما يُقال على المنابر ليس مشروعًا، بل تحريض بلا مسؤولية.

 

المفارقة أن عناصر الحواجز في درعا كانوا أكثر عقلانية. أوقفوا شبانًا متحمسين وسألوهم: "كيف ستحررون فلسطين بالشحاطات؟”. سؤال بسيط، لكنه يفضح كل هذا العبث.

 

المشكلة ليست في الخطباء فقط.. بل في السلطة التي تتركهم.

لدينا سلطة تضيق على كل شيء:

تراقب الإعلام، تكمّم الأفواه، تفرض وصايتها على تفاصيل الحياة اليومية، من لباس الناس إلى مكياج النساء، من شكل العلاقات الاجتماعية إلى ما يُقال ويُكتب. تتدخل في الحياة الشخصية للسوريين كأنهم قُصّر، وتتعامل معهم كقطيع يجب توجيهه وضبطه.

 

لكن حين يصل الأمر إلى المنابر الدينية؟

تختفي هذه "الهيبة" فجأة.

تُترك المساجد لخطاب متشدد، تحريضي، يعبث بعقول الناس، ويدفع الشباب نحو أوهام الموت، دون أي مساءلة أو ضبط. بل أكثر من ذلك، نشهد مظاهرات في بعض المدن السورية تُرفع فيها شعارات الجهاد، وكأن البلاد على أبواب حرب، في وقت لم نشف بعد من حرب أكلت الأخضر واليابس على مدى 14 عاما.

 

هنا يصبح السؤال مشروعًا وضروريًا:

ماذا تريد السلطة من ترك المجال أمام هذا الخطاب؟

هل هو تنفيس للغضب؟

أم محاولة لإعادة إنتاج الشرعية عبر الدين؟

أم استخدام متعمد لهذا التحريض لصرف الناس عن أزماتهم الحقيقية؟

أم أنها ببساطة لا تملك السيطرة، وتخفي عجزها خلف هذه الفوضى؟

في كل الحالات، النتيجة واحدة: مجتمع يُدفع نحو التطرف، بينما يُحرم من أبسط حقوقه.

 

أنا لا أدعو للتخلي عن فلسطين، ولا أبرر الاحتلال وخاصة في جنوب سوريا. لكنني أرفض هذا النفاق. أرفض أن تُقمع الحريات الشخصية باسم "النظام"، بينما يُترك التحريض باسم "الدين". أرفض أن يُمنع شاب من التعبير عن رأيه، بينما يُسمح لخطاب يدفعه للموت.

 

قلت لشيخ المسجد: الجهاد يبدأ من هنا.. من بناء الإنسان، من إشباع الجائع، من إصلاح الداخل.

أما أن نواجه العالم ونحن مفككون، فقراء، ومخدوعون بالشعارات، فهذه ليست معركة.. هذه إدارة للانهيار.

 

السوريون لا يحتاجون خطباء يبيعونهم أوهام "الفتح"، بل دولة تحترم عقولهم.

والأهم: دولة تتوقف عن اللعب بالنار.. قبل أن تحترق بها.

التعليقات

الصنف

خطوط حمر

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

الكلمات المفتاحية

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026