مازن بلال
تكشف التهديدات "الإسرائيلية" لمعبر المصنع-جديدة يابوس عن تحوّل في طبيعة علاقة الحرب بالجغرافيا السورية المعقدة؛ إذ بدأت المعارك تطال البنى التي تربط الدول والمجتمعات، فالمعبر ليس مجرد نقطة عبور؛ بل أصبح موقعاً تتقاطع فيه اعتبارات الجغرافيا والسياسة والأمن، ما يجعله عرضة للاستهداف ضمن منطق جديد للحرب.
نفي السلطات السورية والتسريبات عن وساطة مصرية، حتى لو نجحت، لا تبدل الكثير من محاولات "تل أبيب" للتأثير في مجمل العلاقات الإقليمية في الحرب الدائرة، فالمسألة لا ترتبط فقط بالضغط على لبنان؛ بل أيضا في إخضاع العلاقات بين دول الجوار لـ"شرط إسرائيلي" يرتبط بمرحلة ما بعد الحرب؛ لأن ادعاءات نقل السلاح عبر "المصنع - جديدة يابوس" هو مجرد عنوان فقط لمرحلة تتجاوز البعد العسكري.
عملياً فإن العلاقة بين دمشق وبيروت تحولت العام الماضي إلى صورة بروتوكولية أكثر منها "جوار تاريخي"، وكل التطورات التي حدثت عبر لقاءات رسمية تظهر فقط جانب تقني يخالف المسار السياسي العام منذ استقلال الدولتين، والتهديدات "الإسرائيلية" اليوم تنطلق من اعتبارين أساسيين:
الأول أن الدولتين تخضعان اليوم لشرط "عدم العداء" لـ"إسرائيل"، والبوادر السياسية الصادرة من دمشق وبيروت تجاه هذا الموضوع باتت واضحة، لكن الأزمة الحقيقية هي في قدرة مؤسسات البلدين على تنفيذ "الشرط الإسرائيلي" في "عدم العداء"؛ فتظهر "تل أبيب" بصفة قوة بديلة عن مؤسسات البلدين الأمنية والعسكرية.
الثاني هو ضبط العلاقة بين لبنان وسوريا بوساطة "القوة الإسرائيلية"، فنحن اليوم نشهد تهديداً عسكرياً"، لكن مرحلة ما بعد الحرب يمكن أن تشهد الكثير من التحولات السياسية في العلاقات الإقليمية بما فيها التحكم في نقاط العبور، بعد ما أثبتت الحرب أن "الجغرافيا" لم تعد خاضعة للحدود السياسية بمعناها التقليدي.
معير المصنع هو أكثر من مجرد عقدة نقل؛ لأنه يمثل فكرة "الاستمرارية الإقليمية" في منطقة تتعرض لتفكك متزايد، واستهدافه أو التهديد يضرب مفهوم الترابط الإقليمي نفسه، ويوجه رسالة تتجاوز الأطراف المباشرة إلى مجمل الفاعلين في المنطقة بأن الجغرافيا المدنية لم تعد بمنأى عن الصراع.
"إسرائيل تسعى إلى فرض معادلة ردع جديدة تقوم على عد أي بنية لوجستية تربط لبنان بسوريا هدفاً محتملاً، ومن دون تقديم أدلة علنية مفصلة، وهذا يظهر انتقالاً من استهداف "الشاحنات" إلى استهداف "الممرات"، ومن ملاحقة الأهداف العسكرية المحددة إلى الضغط على البيئة التي تتيح وجودها، وهذا يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب من دون إعلان رسمي.
يكشف معبر المصنع عن هشاشة النظام الإقليمي، فهو يظهر واقعاً تتعايش فيه دول ذات سيادة ناقصة، وتتصادم فيه رغبات الاستقرار مع ضغوط الجغرافيا، فهو ليس طرفاً في الحرب؛ بل في قلبها؛ إذ تصبح الطرق نفسها ساحات صراع، وتتحول الحدود إلى مؤشرات مباشرة على توازنات القوة في شرق المتوسط.
يكشف معبر المصنع عن هشاشة النظام الإقليمي، فهو يظهر واقعاً تتعايش فيه دول ذات سيادة ناقصة، وتتصادم فيه رغبات الاستقرار مع ضغوط الجغرافيا...


