هاشتاغ - خاص
منذ عقود، استخدمت السلطة في سوريا الشارع كأداة سياسية لإظهار القوة وإعادة إنتاج صورة “الدعم الشعبي” في اللحظات التي تشعر فيها بوجود تهديد داخلي أو خارجي. فقد لجأ نظام الأسد طويلاً إلى تنظيم مسيرات حاشدة تُرفع فيها شعارات الولاء، وغالباً ما كانت تحشد مئات الآلاف من الموظفين والطلاب والمجندين، سواء عبر التحفيز أو عبر الضغط الإداري. ومع مرور الزمن وتكرار هذا الأسلوب، فقد الشارع السوري حماسته، حتى باتت السلطة غير قادرة على جمع أعداد كبيرة كما كانت تفعل سابقاً، على الرغم من كل أدوات الضغط التقليدية التي اعتادت استخدامها.
اليوم يتكرّر المشهد، لكن في بيئة اجتماعية مختلفة جذرياً. فالمجتمع السوري يعيش حالة انقسام حاد، خصوصاً بعد الأحداث الدامية التي طالت الأقليات، ونتيجة هيمنة وتفرد السلطة الانتقالية بتشكيل المشهد السياسي والأمني. وفي ظل هذا الانقسام الاجتماعي، يشكل استخدام الشارع بيئة خصبة لبعض المجموعات المتطرفة التي تستغل التجمعات لتوجيه الشتائم والإهانات إلى المكونات السورية الأخرى بأشكال تتجاوز القيم الوطنية وتشكل تهديداً للسلم الأهلي.
السلم الأهلي تحت رحمة الشارع
ويرى مراقبون أن السلطة الانتقالية التي دعت السوريين بمختلف أطيافهم للنزول إلى الشوارع والاحتفال بالذكرى الأولى لانطلاق معركة ردع العدوان، رغم معرفتها بحساسية الوضع، أرادت إظهار الدعم الشعبي لخياراتها واستخدمت شعارات مناهضة للشعارات التي حملها المتظاهرون في الساحل السوري وحمص قبل أيام، الأمر الذي زاد من حالة الانقسام والاستقطاب في الشارع السوري، بدل أن يخففها.
وقد ظهر ذلك جلياً في العديد من المظاهرات وإن بأشكال مختلفة. ففي إحدى المظاهرات التي شهدها وسط دمشق في حي الميدان، أظهرت مقاطع فيديو تم تداولها بشكل واسع على السوشال ميديا، هتافات تطال طوائف وأقليات سورية بكلمات نابية وإقصائية، وجرى رفع شعارات مهينة لمكوّنات رئيسية من المجتمع السوري.
وقد تمّ ذلك على مرأى قوى الأمن التي كان يفترض بها أن توقف مثل هذه الممارسات، خاصة في لحظة سياسية حساسة دعا فيها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع جميع السوريين، بكل أطيافهم، للنزول إلى الشارع لإحياء ذكرى “معركة ردع العدوان” التي أدّت إلى نهاية حكم بشار الأسد والتعبير عن وحدة الشعب السوري.
تجمعات للوحدة وشعارات طائفية
ولم يقتصر الأمر على دمشق، ففي إدلب أظهرت لقطات فيديو في احتفال رسمي خطاباَ أخطر، حين وجّه أحد المتحدثين على منصة رسمية تهديداً مباشراً إلى الأقليات السورية، وعلى رأسها الطائفة العلوية، محذّراً إياها من التعبير عن مطالبها بالحماية من عمليات القتل والخطف.
والمقلق في الخطاب، بحسب متابعين، لم يكن فقط محتواه الطائفي، بل كونه صادراً من موقع قريب من السلطة أو حائزاً على تغاضيها، الأمر الذي جعل الرسالة تصل إلى جمهور واسع بأنها تهديد "مسموح به" أو "مُعترف به" بشكل ضمني.
صحيح أن كثيراً من التجمعات الاحتفالية خرجت بشعارات تدعو للوحدة الوطنية ورفض التقسيم، لكن السؤال الجوهري يبقى: من الذي يدفع الشارع السوري نحو الاستقطاب في ظل رفع المكونات السورية مطالب بالفيدرالية واللامركزية؟ من له المصلحة في تجيّش شارع ضد شارع؟ ومن الذي يتغاضى عن ممارسات فئة ما تُهاجم فئة أخرى من السوريين دون أي رادع؟
قبل أيام أدت جريمة قتل مزدوجة في بلدة زيدل جنوب حمص إلى اجتياح مئات المسلحين من عشائر البدو لأحياء العلويين في حمص، وقاموا بحرق السيارات والمحال التجارية والاعتداء على المواطنين وإطلاق النار الأمر الذي أدى إلى إصابة 18 شخص، ما دفع السلطة إلى التدخل وفرض حظر تجول لمدة 36 ساعة لوقف أعمال العنف.
السلطة.. ازدواجية المعايير
رغم ذلك، يقول منتقدو السلطة، إنها لم توجه أية إدانة لاجتياح البيوت الآمنة في حمص، ولم تعلن اعتقال أي من المهاجمين، وجرى التركيز فقط على جريمة القتل، في تبرير ضمني لردة الفعل العشائرية ضد أحياء العلويين، بالرغم من تأكيد وزارة الداخلية لاحقاً أن الجريمة جنائية وأن القاتل من أقرباء الضحايا.
إن ما يثير القلق بشكل خاص، وفق المراقبين، هو الازدواجية التي تتعامل بها وزارة الداخلية مع أعمال العنف والهتافات الطائفية. ففي الوقت الذي سارع فيه المتحدث باسمها، نور الدين البابا، إلى إدانة هتافات غاضبة خرجت من أبناء الساحل احتجاجاً على ما يتعرضون له من قتل، ووصفها بأنها “تخدم أجندات خارجية”، فإنه تجاهل تماماً ما صدر في مظاهرات دمشق وإدلب من إهانات وتهديدات مباشرة بحق طوائف أخرى. هذا التجاهل يمكن تفسيره باعتباره تغاضياً مقصوداً، أو في أقل الأحوال تهاوناً كارثياً يُفسّر على أنه ضوء أخضر لفئة ضد أخرى.
والنتيجة الطبيعية لمثل هذا السلوك أن تبدأ المكونات المستهدفة، سواء كانت أقليات مذهبية أو مجموعات محلية مهمّشة، بالبحث عن أي شكل من أشكال الحماية خارج إطار الدولة، حتى ولو أدى ذلك إلى تفتيت البلاد أو تشكّل كيانات محلية مسلّحة أو مستقلة. فحين يشعر الناس أن السلطة لا تكترث بما يتعرضون له من تهديد، بل وربما تُجيز ذلك، يصبح الانفصال النفسي والسياسي عن الدولة أمراً حتمياً.
خطاب الكراهية وتعزيز الانقسام
إن الاستمرار في استخدام الشارع، من جهة، والتغاضي عن التصرفات المنفلتة سواء كانت ألفاظاً كما حدث في المظاهرات أم ممارسة من قتل وخطف كما جرى ويجري ضد المكونات السورية من علويين ومسيحيين وأكراد ودروز، من جهة ثانية، سوف يعمق الانقسام المجتمعي ويمهد لمزيد من الاستقطاب والبحث عن الفدرلة والانفصال. وإن السماح بخطاب الكراهية تحت ستار الاحتفال أو الحشد الشعبي، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التشظّي والتمزق.
ويرى مراقبون أن كل هذه التصرفات لن تسهم في تعزيز الوحدة الوطنية التي تعلن السلطة تبنيها والدعوة إليها، بل ستكون مساراً إلى مزيد من الانقسام. فوحدة السوريين لا تُبنى بالهتاف لها وتحشيد الشارع، بل بحماية كل السوريين بالتساوي، وبضبط الشارع، ومحاسبة كل من يهدد السلم الأهلي مهما كانت هويته أو الجهة التي تقف خلفه.


