صعّد البرلمان الأوروبي لهجته إزاء التطورات في شمال شرق سوريا، محذراً من أن الانتهاكات المسجلة هناك قد ترقى إلى مستوى "جرائم حرب"، ومؤكداً أن أي انخراط سياسي أو اقتصادي مع الحكومة السورية الانتقالية يجب أن يبقى مشروطاً بتقدم ملموس في حماية المدنيين واحترام حقوق الإنسان.
واعتمد البرلمان الأوروبي، خلال جلسته العامة في ستراسبورغ، قراراً بشأن الوضع في شمال وشرق سوريا، أدان فيه بشدة أعمال العنف ضد المدنيين، محذراً من التدهور الخطير في الوضع الإنساني والأمني، ومؤكداً الحاجة الملحّة إلى الحفاظ على وقف إطلاق نار مستدام يمهّد لانتقال سياسي شامل في البلاد.
وأعرب البرلمان عن قلقه إزاء التصعيد العسكري الأخير في شمال وشرق سوريا، ولا سيما في حلب والرقة والحسكة ودير الزور، مشيراً إلى الهجوم الذي شنّته القوات الحكومة السورية منذ كانون الثاني/يناير 2026 وما تبعه من توسّع للهجمات العسكرية، والذي أسفر عن مقتل مدنيين ونزوح نحو 148 ألف شخص، إضافة إلى أضرار واسعة في البنية التحتية الأساسية.
وأشار القرار إلى أن القتال أدى إلى سقوط عشرات الضحايا المدنيين، وترك مئات الآلاف من السكان دون كهرباء أو مياه أو رعاية صحية، محذراً من أن نحو 250 ألف شخص في مدينة كوباني (عين العرب) وحدها يواجهون مخاطر إنسانية جسيمة. كما قدّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عدد النازحين داخلياً بأكثر من 170 ألف شخص في المناطق المتضررة.
وأدان البرلمان الأوروبي الانتهاكات الموثقة للقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك "القتل خارج نطاق القضاء، والاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي، وتدنيس الجثث والمقابر، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية"، داعياً إلى إجراء تحقيقات مستقلة وسريعة، ومطالباً الحكومة السورية الانتقالية بالسماح بوصول كامل وشفاف لآليات الأمم المتحدة، بما فيها لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا.
ورحّب البرلمان بالاتفاق الذي أُعلن في 30 كانون الثاني/يناير 2026 بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية " قسد"، معتبراً أنه خطوة مهمة نحو تثبيت وقف إطلاق النار وضمان الحقوق المدنية والتعليمية للمجتمعات الكردية، وداعياً جميع الأطراف إلى الالتزام به ومنع أي تصعيد جديد.
وفيما يتعلق بالدور الإقليمي، دعا القرار جميع الأطراف، بما في ذلك تركيا، إلى الامتناع عن أي عمل عسكري أو دعم لجماعات مسلحة من شأنه تقويض وقف إطلاق النار أو تعريض المدنيين للخطر، مديناً استمرار التدخل العسكري التركي في شمال شرق سوريا والهجمات على المدنيين والبنية التحتية.
كما أعرب البرلمان عن قلقه البالغ إزاء مصير محتجزي "داعش"، محذراً من المخاطر الأمنية الناجمة عن فرار مئات منهم خلال القتال الأخير، ومن نقل المشكلة إلى دول ثالثة دون حلول مستدامة. وأكد أن وجود مواطنين من دول الاتحاد الأوروبي بين المعتقلين يحمّل الدول الأعضاء مسؤولية مباشرة لإعادتهم ومحاكمتهم وفق معايير العدالة الدولية، لا سيما النساء والأطفال في مخيمي "الهول" و"الروج".
ضرورة ضمان الحقوق الأساسية لجميع المكونات من عرب وكرد وسنة وشيعة وعلويين ومسيحيين ودروز وإيزيديين
دعم مشروط
شدد القرار على أن أي دعم أوروبي لإعادة الإعمار أو الاستقرار في سوريا يجب أن يبقى مشروطاً بتحقيق تقدم ملموس وقابل للتحقق في حماية المدنيين، واحترام حقوق الإنسان، والالتزام بوقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي يظل من أكبر المانحين للمساعدات الإنسانية للشعب السوري، مع تعهده بمواصلة الدعم المشروط للانتقال السلمي والشامل.
وشدد البرلمان الأوروبي على ضرورة حماية التنوع العرقي والديني في سوريا، مطالباً السلطات بضمان الحقوق الأساسية لجميع المكونات، من عرب وكرد وسنة وشيعة وعلويين ومسيحيين ودروز وإيزيديين.
ودعا البرلمان، في ختام قراره، خدمة العمل الخارجي الأوروبي والدول الأعضاء إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد، وحماية المدنيين، وبناء الثقة، ودعم مسار سياسي شامل يقوده السوريون أنفسهم، بما يحفظ وحدة الأراضي السورية ويضمن السلام والاستقرار الدائمين.


