هاشتاغ - ترجمة
لا تزال قضية معتقلي تنظيم "داعش" في شمال شرق سوريا تُشكّل تحديات أمنية وقانونية وإنسانية معقدة على جميع المستويات، حيث تشير عمليات إعادة تنظيم السجون ونقل المحتجزين جواً مؤخراً إلى مستوى غير مسبوق من التنسيق بين الولايات المتحدة والعراق وسوريا، مما يعكس تزايد القلق بشأن خطر عمليات الفرار الجماعي واحتمالية عودة آلاف المقاتلين إلى مناطق النزاع.
اعتمدت هذه العمليات على طائرات النقل العسكرية والمروحيات لضمان السرعة والأمن، مع تنسيق يومي بين القيادة المركزية الأمريكية ووزارة الدفاع ووكالات الاستخبارات، تحت إشراف مكتب مدير الاستخبارات الوطنية.
ووصفت مصادر أمريكية هذه العمليات بأنها منعت "كارثة كانت ستغير المنطقة وربما العالم بين عشية وضحاها"، في إشارة إلى حقيقة أن انهيار السجون كان سيؤدي إلى إعادة تشكيل التنظيم على الفور.
في الوقت نفسه، نُقلت السيطرة على عدد من السجون ومخيم "الهول" في الرقة والحسكة تدريجياً إلى مؤسسات تابعة للحكومة السورية. وأصبح سجن "الأقطان" تحت سيطرة الجيش السوري، بينما تولت وزارة الداخلية السورية إدارة سجن "الشدادي"، وخضع مخيم "الهول" لإشراف دمشق، مع وجود خطط لنقل عدد من نزلائه إلى مناطق أخرى.
ووفقاً لتقرير موقع "ذا ميديا لاين" الأمريكي، يعكس هذا التحول نهاية احتكار قوات سوريا الديمقراطية "قسد" لإدارة المحتجزين، ويثير تساؤلات حول قدرة السلطات السوريّة على الحفاظ على الاستقرار في بيئة هشة بعد سنوات من الحرب والفوضى.
وبحسب تقديرات مصادر الموقع الأمريكي، فإن عدد معتقلي "داعش" في شمال شرق سوريا يتراوح بين 9000 و12000 سجين، موزعين على سجون الحسكة والرقة و"الشدادي". من بين هؤلاء قادة بارزون صنفتهم مصادر أمريكية ضمن "الأخطر والأسوأ" لتورطهم في عمليات إرهابية واسعة النطاق منذ عام 2014.
كشف مصدر أمني سوري رفيع مطّلع على تقارير سريّة: "هناك مؤشرات على تمكن بعض معتقلي (داعش) من الفرار من سجون معينة خلال الأشهر الماضية"، مضيفاً، وطالباً عدم الكشف عن هويته في تصريحات لـ "ذا ميديا لاين"، أن هذه الحوادث لم تُسجل على نطاق واسع، لكنها تؤكد وجود ثغرات أمنية في بعض المنشآت.
تتزايد المخاوف الأوروبية مع استمرار وجود مئات من مواطنيها بين معتقلي "داعش" من احتمال العودة غير الشرعية عبر شبكات التهريب
المخاوف الأوروبية
ينظر العراق، الذي شهد سيطرة التنظيم على مساحات شاسعة من البلاد عام 2014، إلى هذه التطورات باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنه القومي. وسيخضع جميع المحتجزين المنقولين، بغض النظر عن جنسيتهم، لإجراءات قضائية عراقية وفقاً للإجراءات القانونية المعمول بها، مع توثيق شامل للجرائم المرتكبة.
وبينما تُنسق بغداد أيضاً مع الدول الأوروبية لإعادة رعاياها، مع التركيز على منع أي هروب جماعي إحياء "داعش" داخل الأراضي العراقية، تتزايد المخاوف الأوروبية مع استمرار وجود مئات من مواطنيها بين المعتقلين، إذ يُشكل احتمال "العودة غير الشرعية" عبر شبكات التهريب وإعادة بناء الخلايا النائمة تهديداً مباشراً للأمن القومي الأوروبي.
ويتمثل التحدي في شقين: إدارة مخاطر الأمن الداخلي ومعالجة المسائل القانونية والسياسية المتعلقة بمحاكمة وإعادة تأهيل المقاتلين الأجانب.
وبحسب التقرير، يبقى مخيم "الهول" التحدي الأكبر على المدى الطويل، إذ يضم نحو 43 ألف شخص، من بينهم آلاف الأطفال والنساء، وكثير منهم من جنسيات أجنبية. ويُثير المخيم مخاوف أمنية واجتماعية بالغة نظراً لوجود شبكات نفوذ متطرفة قادرة على نشر فكر "داعش"، لا سيما بين الأطفال الذين نشأوا في بيئة من العنف والتطرف.
ومع استمرار محدودية برامج إعادة الإدماج والتأهيل، ووجود نحو 18 ألف مواطن عراقي ينتظرون نقلهم تدريجياً إلى مناطقهم الأصلية، يبقى المخيم دون استراتيجية قانونية وإنسانية شاملة.
تواجه الدول الأوروبية تحديات معقدة كما تراقب روسيا وتركيا وإيران هذه القضية عن كثب في إطار ديناميكيات القوى الإقليمية الأوسع نطاقاً
مصالح متداخلة
تعكس هذه التغييرات المستمرة مصالح إقليمية ودولية متداخلة - فالولايات المتحدة تركز على منع عودة تنظيم "داعش" دون الالتزام بوجود عسكري طويل الأمد - ويعمل العراق على تأمين حدوده وتجنب تكرار انهيار عام 2014، بينما تنظر سوريا إلى السيطرة على المخيمات والسجون كوسيلة لتعزيز سيادتها وأمنها الداخلي.
في غضون ذلك، تواجه الدول الأوروبية تحديات قانونية وسياسية معقدة تتعلق بإعادة مواطنيها ومحاكمتهم. كما تراقب روسيا وتركيا وإيران هذه القضية عن كثب في إطار ديناميكيات القوى الإقليمية الأوسع نطاقاً في شرق سوريا.
لا تزال هناك ثغرات كبيرة وبدون نهج أكثر شمولية قد تُهيئ هذه الثغرات الظروف لعودة "داعش"
تجنب الأسوأ
حققت الإجراءات الأخيرة نجاحاً قصير الأجل في تجنب أسوأ السيناريوهات، حيث تم نقل القادة الأكثر خطورة، وتجنب انهيار أمني فوري. مع ذلك، لا يُعدّ الاحتواء وحده حلاً مستداماً
ولا تزال هناك ثغرات كبيرة، لا سيما بين المحتجزين وعموم سكان المخيم، بمن فيهم النساء والأطفال المعرضون لتأثير التطرف. وبدون نهج أكثر شمولية، قد تُهيئ هذه الثغرات الظروف لعودة التنظيم.
وتتطلب الاستجابة المستدامة، استراتيجية شاملة تُدمج العناصر الأمنية والقانونية والإنسانية والتعليمية. وبدون هذا التنسيق، تُصبح الترتيبات الحالية مُعرّضة للانهيار تحت ضغط متجدد.
في الختام، يُعدّ التحدي الذي يواجه المجتمع الدولي اليوم أكثر تعقيدًا من التحدي الذي فرضته الحملة العسكرية السابقة. لقد تحول التركيز إلى الاحتجاز والإجراءات القانونية وإعادة التأهيل الاجتماعي، حيث يتم اختبار القدرة على إنهاء "داعش" بشكل نهائي ومنع عودة ظهور التهديدات الأمنية المتعلقة بالتنظيم على الصعيدين الإقليمي والدولي، وخاصة في أوروبا والدول المجاورة.


