أميركا تستعجل الإعمار أو الانهيار في الرقة

دخل الشرق السوري من جديد مرحلة أخرى أكثر تعقيدا” وتشابكا” من سابقاتها من أشكال الصراع الدائر في تلك المنطقة وحولها منذ سبع سنوات، وبصورة خاصة بعد إعلان قوات سوريا الديموقراطية تحرير مدينة “الرقة” من سيطرة تنظيم “داعش” الإرهابي عبر صفقة مشبوهة كانت الولايات المتحدة الأمريكية عرابتها بامتياز، بعدما عجزت “قسد” خلال الشهور الخمسة السابقة عن تحريرها عبر الأعمال العسكرية رغم الغطاء الجوي لطائرات التحالف الذي نجح فقط بتدمير 95% من الأبنية السكنية والبنى التحتية.

هاشتاغ سيريا _ محمد نادر العمري

حجم احتدام الصراع الدائر ضمن الجغرافية الشرقية، فسح المجال لجملة من الصراعات المحتملة في مرحلة ما بعد داعش لملء الفراغ وتكريس الهيمنة وزيادة نطاق النفوذ والحفاظ عليها، فمع كل تقدم يحققه الجيش السوري والقوات الحليفة في الميدان العسكري الشمالي الشرقي يقابله محاولات أميركية ﻹجهاضه ، فكسر الحصار عن مدينة دير الزور وتحرير معظم أحيائها دفع الإدارة الأمريكية لسلوك وصفه وزير الخارجية الروسي ((سيرغي لافروف)): “بالتصرفات الغريبة” مع لجوء واشنطن بعد تحرير القوات السورية لمدينة الميادين لنقل بعض قوات “قسد” إلى مواقع حيوية ونفطية في الريف الشمالي الشرقي لمدينة دير الزور

وأبرمت اتفاقا” مع داعش تضمن نقل معظم قادته وعناصره من الأجانب إلى الجنوب السوري ونشر من يحمل الجنسية السورية منهم على الحدود العراقية السورية ليكونوا شوكة متبادلة لكلا الجانبين تعيق تواصل قواتهما، ورفد من تبقى منهم بالخطوط والجبهات الأمامية لقوات قسد

وأعادت الإدارة الأمريكية تموضع قواتها الموجودة في الشمال وحلفائها على مجرى نهر الفرات لمنع تمدد الجيش السوري باتجاه مدينة الرقة وريفها بعد إعلان قوات سوريا الديموقراطية في 20 من الشهر الجاري :((إن الرقة ستكون جزءا” من سورية الاتحادية اللامركزية))، تزامنا” مع زيارة وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ” ثامر السبهان” برفقة المبعوث الأمريكي الخاص “بريت ماكغورك” لريف الرقة واجتماعه مع ما يسمى (المجلس المدني للمدينة) في بلدة عين عيسى بهدف المساهمة بتمويل إعادة الإعمار، ومسارعة دول التحالف وبخاصة فرنسا التي خصصت 15 مليون يورو للبدء في إعمار الرقة في ظل معلومات عن وصول معدات لمطار رميلان لهذا الغرض.

ومابين إعلان قسد لتحرير الرقة والمسارعة في إعادة الإعمار أهداف ترجوها الأطراف المتصارعة وبصورة رئيسية الولايات المتحدة الأمريكية:

● هدف جيوسياسي، يمكن استقراؤه في السعي الأمريكي لمنع الجانب الروسي من أن يكون مرجعية منفردة ووحيدة لحل الأزمة السورية ويحد من انتشار نفوذها بالمنطقة بشكل عام، لذلك ترجو الإدارة الأمريكية من دعم المشروع الكردي :

1.توسيع نفوذها في الشمال السوري عبر القوات الكردية بعد وصول أجنداتها في الجنوب والعمق السوري ﻷفق مسدود، رغم مايترتب على ذلك من اتساع الفجوة مع نظيرتها التركية (الحليف الأطلسي) التي تسارع بدورها لتثبيت دورها عبر مؤتمر أستانا.

2. احتواء إيران في الشرق السوري وزجها في اشتباك مستنزف مع القوات الكردية، تطبيقا” للتوصية التي وضعها مستشار الأمن القومي الأمريكي ((هربرت ماكماستر)) بعنوان :”سورية ساحة لاحتواء إيران” بعد ضيق الخيارات أمام واشنطن في صراعها مع طهران.

3. إخفاء الآثار المترتبة من تجربة واستخدام القوات الأمريكية لأسلحة محرمة دوليا” في مدينة الرقة والتي أدت لمقتل 5100 مدني.

● أما الهدف الثاني فهو عسكري: تسعى من خلاله الولايات المتحدة الأمريكية لتثبيت قواعدها في الشمال السوري بدواعي حماية الأقليات(الكردية) وجعل مطار الرميلان الذي يتم توسيعه بالتعاون مع القوات الألمانية والبريطانية بديلا” عن قاعدة “إنجرليك” التركية للتخلص من الابتزاز التركي وزيادة عزلته.

●المزاوجة بين الهدفين الاجتماعي والاقتصادي لتحقيق مآلاتها، فالأول يتحقق من خلال غض الطرف عن التغيير الديمواغرافي الذي تحدثه قوات سوريا الديموقراطية التي هددت بداية الأمر بانهيار سد الفرات منذ 5 أشهر وطلبت من السكان المحليين مغادرة المنطقة ومنعت نهاية المطاف المدنيين من دخول مدينة الرقة لتفقد منازلهم بعد تحريرها، بينما يشكل جذب المساعدات والاستثمارات الاقتصادية المتسارعة (خليجية -أوروبية) بإدارة وتوجيه أميركي القدرة على منفعة ربحية للشركات الأخيرة وبناء منظومة بنيوية خدمية واقتصادية تحقق نوعا من الثقل بين الإدارة اللامركزية مع العاصمة دمشق، عبر تطبيق النموذج القبرصي والكردستاني المتمثل ببناء فضاء من الرفاهية الحياتية ضمن الرقعة الجغرافية التي تديرها الإدارة الكردية بما يتيح لها جذب باقي المكونات إليها المتضررة والمنهكة نتيجة الصراعات ولكن بتأثير وفاعلية يخدمان مشروعها الفيدرالي.

من الواضح أن تسارع الأحداث في الشمال السوري وتعقيد طبيعة الأهداف وتغير الظروف والسلوكيات المتناقضة تجعل السيناريوهات المحتملة تدور ضمن مروحة من الخيارات:

أولها: نجاح موسكو في إحداث نوع من التقارب بوجهات النظر بين القوات الكردية والحكومة السورية، ولاسيما إن هناك نوعا من التباين الحاصل بين تيارات الكردية مابين التوجه نحو الفيدرالية وتحقيق ماعجز عنه البرزاني في شمال العراق وآخر يقبل بإدارة لامركزية متخوفا” من عواقب أوخم مما تعرض له إقليم كردستان ونتيجة عدم ثقته بالموقف الأميركي المتذبذب، ويستند الرأي الثاني للمباحثات التي جرت في موسكو بين ممثلين عن خارجيتها مع شخصيات كردية أفضت في نهاية المطاف بقبول وزير الخارجية السوري “وليد المعلم” في الدخول بمفاوضات حول اللامركزية الإدارية بعد زيارته مؤخرا” لموسكو التي تمهد لعقد مؤتمر حوار يزمع عقده خلال الأيام العشرة القادمة في مطار حميميم لفض هذا النزاع والحيلولة دون تسخين الجبهات.

ثانيا”: يتضمن هذا السيناريو إصرار القوات الكردية ومن خلفهم الولايات المتحدة الأمريكية بالذهاب بعيدا” بفرض مشروعهم الفيدرالي في الشمال السوري، وهذا يستوجب وصول قوات قسد للبحر المتوسط لتأمين منفذ لكيانهم المرفوض بقرار إقليمي، الأمر الذي قد يمهد الأجواء نحو تقارب وتنسيق أكبر بين الدول الضامنة ويوحد البنادق بين خصوم الأمس.

أما السيناريو الثالث فتدور رحاه باتباع الولايات المتحدة الأمريكية لسياسة “خرمشة القط” في الحصول على بعض الامتيازات لها على صعيد السياسة الخارجية في أي مباحثات سياسة مقبلة، يترجم رصيدا” يحسب ﻹدارة ترامب المتخبطة داخليا” قبيل الدخول في موسم الانتخابات الدورية في انتقاء ثلث أعضاء مجلس النواب بداية العام القادم والتي تؤثر بطبيعة الحال على أكثرية الثقل بالكونغرس. من المؤكد أن تحرير الرقة هي مرحلة جديدة كما وصفها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ولكن من المؤكد أيضا” أن عدم الثقة الشعبية بسياسته تجاه ملفات الشرق الأوسط تجاوزت 55% والاستياء الرسمي داخل حزبه الجمهوري تجاوز 23%….الأمر الذي يؤكد احتمالية فشل السياسات الأمريكية باستبدال التكتيكات في تحقيق الاستراتيجيات.

 


مقالات ذات صلة :

مسؤولون روس: التحالف الأمريكي أباد الرقة عن بكرة أبيها

دي ميستورا: إحلال الاستقرار أولوية بعد تحرير الرقة


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

 

من نبض الحدث.. المشهد الساخر في علاقة أميركا بأدواتها

لا مشهد ساخراً أكثر من المشهد الذي يعبر عن العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وأدواتها الإرهابية وحلفائها في المنطقة، ولا مصطلحات مثيرة تعبر عن الدهشة أكثر من مصطلحات أميركا وتصريحاتها عن رغبتها بإحلال السلام والاستقرار في المنطقة .

فأميركا التي تدعم التنظيمات المتطرفة وتأمر أدواتها بتسهيل مرورها إلى سورية والعراق تتذمر من تلك الأدوات وتحملها وعلى لسان وزير دفاعها السابق أشتون كارتر المسؤولية عن تمدد تنظيم داعش المتطرف في طول العالم وعرضه.‏

لم ير كارتر دور بلاده في نشر هذه التنظيمات ولم يقرأ تقارير استخبارات إدارته عن اختراعها لداعش المتطرف وأخواته، ويبدو أنه لم يطلع على مذكرات هيلاري كلينتون التي تتحدث بالتفصيل عن الدور المشترك لأميركا وأدواتها في المنطقة في نشر الفوضى الهدامة ورعاية لوسيلتها أي التنظيمات المتطرفة ولذلك فإنه كأي مسؤول أميركي يحاول تضليل العالم من خلال تحميل أدوات بلاده الإقليمية المسؤولية وقلب الأدوار فيما بينها ومحاولة تبرئة واشنطن من كل جرائمها في المنطقة.‏

أما المفارقة الأكثر من صارخة فهي استمرار أميركا بالزعم أنها تحارب الإرهاب وتسعى بكل جهودها للقضاء على أداته الأكثر تطرفاً وهي تنظيم داعش في الوقت الذي تحمي عناصره من الانهيار وتحمي طرق هروبهم من الرقة ودير الزور ، وبالمقابل ترتكب المجازر بحق المدنيين الأبرياء بحجة قصف التنظيم المذكور.‏

ومثل هذا الكلام ليس مصدره التنبؤات أو الرجم بالغيب أو مجرد تحليل سياسي بل هو حقيقة تدعمها الشواهد والأدلة والوثائق والصور ويكفي أن نشير إلى التقارير الموثقة التي سربت مؤخراً وكشفت أن أميركا وردت خلال خمسة أشهر من العام الحالي مئات الشاحنات المحملة بالمساعدات العسكرية إلى مجموعات قسد بحجة محاربة الإرهاب ليظهر لاحقاً أن تلك الأسلحة باتت بحوزة داعش وأخواتها في أكثر من منطقة في سورية.‏

باختصار مواقف أميركا وسياساتها غاية بالاحتيال ومحاولة استغفال العالم مرة بالزعم بمحاربة الإرهاب ومرة بالادعاء أنها ستقع ضحية لهجمات الإرهاب وأن هذه الهجمات ستعادل أحداث الحادي عشر من أيلول التي اخترعتها استخباراتها مع أنها مشغل التنظيمات المتطرفة في العالم وهي من أسسها ورعاها وحماها.


مقالة ذات صلة :

ماذا تنبأ هنري كيسنجر حول سياسة ترامب وسورية؟! ترامب سيقود العالم إلى الفوضى!!


 

 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

كيف سترد روسيا في حال تعرضت المواقع العسكرية في سورية لهجوم

قال نائب رئيس لجنة مجلس الدوما لشؤون الدفاع يوري شفيتكين، أنه من المستبعد أن تدخل روسيا في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية في حال وجهت ضربة أخرى إلى دمشق.

الدفاعات الجوية السورية كفيلة بصد أي هجوم صاروخي أمريكي، ولكن في حال تعرض المواقع العسكرية الروسية في سورية لهجوم سيكون الرد فوريا.

وكان قد صرح ممثل البيت الأبيض، يوم أمس الاثنين، أنه لا يستبعد توجيه ضربات أمريكية جديدة لسورية في حال حدوث “هجمات كيميائية” أخرى.

وقال شفيتكين لـ”سبوتنيك”: “أعتقد أن احتمالات دخول روسيا في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة ضئيلة، ولكن روسيا اتخذت الإجراءات اللازمة بعد تلك الضربة، وأعتقد أنه يكفي أن نزود سورية بالمعدات اللازمة لتقوم بنفسها بصد مثل هذه الهجمات وذلك ضمن القانون الدولي”.

وأشار شفيتكين إلى أن القوات الروسية موجودة في سورية “في حال تعرضت قواتنا الموجودة في سورية لأي تهديد فعلى ترامب وإدارته أن يعوا نتائج هذه التهديدات المحتملة. لن يكون هناك أية كلمات بالتأكيد. ستكون الأفعال فقط. “

سبوتنيك


مقالة ذات صلة :

تصعيد في المواقف الروسية تجاه ضربة الصواريخ الأمريكية لسورية


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

بيان صادر عن القيادة العامة والقوات المسلحة

بعد بدء العمليات العسكرية التي ينفذها الجيش العراقي الشقيق والقوى الرديفة لتحرير مدينة الموصل من عصابات “داعش” الإرهابية, وفرار المجاميع الإرهابية تحت وطأة الضربات التي تتلقاها على يد أبطال الجيش العراقي.

بدأ يتضح المخطط الخبيث لداعمي الإرهاب الدولي وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية لتأمين طرق وممرات عبور آمنة لإرهابيي داعش الفارين من الموصل باتجاه الأراضي السورية بهدف الحفاظ عليهم وحمايتهم من جهة وتعزيز التواجد الإرهابي داخل الأراضي السورية من جهة أخرى, في محاولة لفرض واقع ميداني جديد في المنطقة الشرقية على اتجاه دير الزور والرقة وتدمر.

إن القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة إذ تؤكد أن معركة تحرير الموصل وكافة أراضي العراق الشقيق من رجس الإرهاب هي معركتها, فإنها تعتبر أي محاولة لعبور الحدود هي بمثابة اعتداء على سيادة الجمهورية العربية السورية وأن كل من يقدم على هذه المحاولة يعد إرهابياً وسيتم التعامل معه بجميع القوى والوسائط المتاحة.


مدافع الحرب السورية: الصمت المؤقت ..!

 


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

عبد الباري عطوان: هل لقاء لوزان يمنع الحرب العالمية الثالثة؟ ولماذا يشن الاعلام الروسي حملة تعبئة لصدام نووي مع أمريكا؟

تستضيف مدينة لوزان السويسرية الهادئة اجتماعا صاخبا يوم السبت يحضره وزيرا خارجية الولايات المتحدة جون كيري وروسيا سيرغي لافروف، يصفه الكثير من المراقبين بأنه اجتماع الفرصة الأخيرة لنزع فتيل التوتر بين البلدين بعد انهيار اتفاق وقف اطلاق النار، والتفاهمات بين القوتين العظميين في سورية.

الوضع الحالي على درجة عالية من التوتر وسط مؤشرات قوية عن تزايد احتمالات لجوء القوتين الى “الخطة B” التي تشمل الاستعداد لمواجهة عسكرية، ويذهب بعض المراقبين، ونحن منهم، الى القول بأن حالة الاحتقان بين الدولتين في سورية تشبه نظيرتها اثناء ازمة الصواريخ الروسية في خليج الخنازير بكوبا عام 1962.

من يتابع محطات التلفزة وأجهزة الاعلام الروسية هذه الأيام يخرج بانطباع مفاده ان الحرب العالمية الثالثة باتت وشيكة، حيث تحتل الشاشات برامج حوارية يشارك فيها خبراء عسكريون روس يتحدثون عن اسقاط طائرات أمريكية، وتجهيز ملاجىء نووية تحسبا لقصف موسكو، وتعبئة سياسية ونفسية للشعب الروسي لكل الاحتمالات، بما في ذلك نقص المواد الأساسية.

تيغور كوناشينكوف مسؤول الاعلام في وزارة الدفاع الروسية مشغول جدا هذه الأيام، وينتقل من شاشة الى أخرى، موجها التحذيرات، المباشرة وغير المباشرة، الى واشنطن بعواقب وخيمة في حال اقدامها على أي عمل عسكري ضد القوات السورية، او الطائرات الروسية.

آخر بياناته قالت “نعرف عدد المستشارين الأمريكيين الرسميين وغير الرسميين والدور الذي يلعبونه من خلف ستار لتدريب وتسليح ووضع خطط الهجوم والدفاع للجماعات الإرهابية، مثل جبهة “فتح الشام” او “النصرة” والفصائل المتحالفة معها، مثلما نعرف أماكن تواجدهم واعدادهم (5000 مستشار) واذا هاجمونا سنرد بالهجوم على هؤلاء” فورا.

وكالة انباء “سبوتنيك” الروسية الرسمية سربت خبرا قبل أسبوع قالت فيه ان روسيا اطلقت صاروخا من طراز “كاليبر”، استهدف غرفة عمليات في بلدة دار عزة القريبة من جبل سمعان في حلب، مما أدى الى مقتل 30 مستشارا عسكريا أمريكيا وغربيا واسرائيليا وقطريا وتركيا، كرد على قصف قوات سورية في جبل الثردة في دير الزور.

هذا النبأ الذي نقلته الوكالة المذكورة عن مصدر عسكري روسي لم تؤكده أي مصادر غربية، ولم تتطرق اليه وكالات انباء عالمية، ولم يصدر أي نفي رسمي له في الوقت نفسه، ولكن ليس هناك شيء مستبعد في هذه الحرب المستمرة منذ خمسة أعوام.

روسيا تكثف حشودها العسكرية في شرق البحر المتوسط وفي قواعدها البحرية والجوية في طرطوس والساحل الشمالي السوري، فقد أرسلت حاملة طائرات واكثر من سبع سفن حربية مجهزة بصواريخ قادرة على اغراق أي فرقاطات وحاملات طائرات أمريكية او غربية، مثلما أرسلت أنظمة دفاع جوي حديثة متطورة تضم منصات لاطلاق صواريخ مضادة للطائرات من طراز اس 300، واس 400 في نسختيهما المتطورة والاحدث تقنيا.

هذا التحشيد العسكري الروسي ليس موجها قطعا لـ “الدولة الإسلامية” او جبهة النصرة، وانما رسالة قوية الى الولايات المتحدة تقول كلماتها “نحن مستعدون للمواجهة العسكرية اذا استدعى الامر، ولن نتراجع عن ما جرى التوصل اليه في التفاهمات بيننا، أي اجتثاث الجماعات الإرهابية”.

الإدارة الامريكية سربت تقارير إخبارية تؤكد عقد مجلس الامن القومي الأمريكي الذي يضم قادة هيئات اركان مختلف الجيوش والقطاعات العسكرية الى جانب مدراء اجهزة الاستخبارات وخبراء وزارة الخارجية والداخلية، “اجتماعات حرب” لدراسة كل احتمالات الرد في سورية، بما في ذلك العسكرية منها.

ويأتي هذا الاجتماع وسط قناعة بأن صورة الولايات المتحدة قد اهتزت في العالم بأسره، فقد وقفت عاجزة في ازمة أوكرانيا، ولم تمنع روسيا من ضم شبه جزيرة القرم، ووصل الامر الى درجة تطاول الرئيس الفلبيني على الرئيس باراك أوباما ووصفه بـ”ابن العاهرة”، وهزيمة أمريكا، او تراجعها، في سورية قد يعني انهيار سمعتها كقوة عظمى يمكن الاعتماد عليها، ويضعها في وضع مشابه لوضع الاتحاد السوفيتي في ايامه الأخيره.

الروس يشعرون بالاطمئنان والثقة بصلابة دعم حلفائهم، وخاصة الصينيين، وكان تأييد المندوب الصيني في مجلس الامن الدولي لصالح مشروع القرار الروسي الأخير، وامتناعه عن التصويت اثناء طرح مشروع القرار الفرنسي، احد الأدلة في هذا الصدد، وصرح لي باو دونغ نائب وزير الخارجية الصيني بأن هناك شراكة استراتيجية تتطور بشكل متسارع بين بلاده وروسيا في الملفات السورية والافغانية، ومن المتوقع ان يلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الصيني تشاي جن بينغ على هامش قمة دول “البريكس″ التي ستعقد في مدينة جوا الهندية أواخر هذا الأسبوع.

لا نعتقد ان روسيا تريد اشعال فتيل الحرب العالمية الثالثة لما يعنيه ذلك من دمار للعالم بأسره، ولكنها لا تتردد في خوضها اذا انجرت اليها مكرهة، واستراتيجيتها الحالية تقوم على كسب الوقت، والمزيد منه، حتى تكمل مشروعها في القضاء على الجماعات الإسلامية المسلحة في حلب قضاء تاما، ويبدو ان تحقيق هذا الهدف بات وشيكا، في ظل الصمت الأمريكي، والتجاهل التركي، وتردد السعودية وقطر في تزويد هذه الفصائل بصواريخ جوية متطورة دون ضوء اخضر امريكي.

لقاء لوزان قد يمهد لمؤتمر “يالطا 2″ الذي يوزع مناطق النفوذ بين أمريكا وروسيا ويمنع الصدام بينهما على غرار “يالطا1″ الذي انعقد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، اما فشله فيعني تسارع احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، او بالإنابة.

هناك مثل روسي يقول “اذا لم تتجنب المواجهة العسكرية فاضرب أولا”.. نأمل ان لا يجري تطبيق هذا المثل، وان يتم تجنب المواجهة، والتخلي عن العناد، والتحلي بالمرونة، لان ضحايا المواجهة سيكونون عربا ومسلمين على الاغلب في جميع الحالات.

“عبد الباري عطوان”


مقالة ذات صلة

عبد الباري عطوان: معركة حلب تقترب من نهايتها


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام