هاشتاغ – يارا صقر
في زمنٍ تحكمه الشاشات وتُصنع فيه القناعات عبر ضغطة زر، أصبحت السوشيال ميديا اللاعب الأكبر في تشكيل الوعي الصحي للملايين. فبينما ساهمت هذه المنصات في نشر كمّ واسع من المعلومات الطبية، تحوّلت في المقابل إلى سوقٍ مفتوح لنصائح غير دقيقة، وصيحات صحية عابرة، وترويجٍ لمكمّلات غذائية لا يحتاجها معظم الناس.
الصيدلاني محمد عاقل يضع الصورة في إطارها العلمي، ويوضح في حديث خاص لـ"هاشتاغ" ما الذي يحدث فعلاً خلف هذه الترندات، وما هي الحقائق التي يغفل عنها الجمهور.
* السوشيال ميديا.. قوة ضخمة لكنها بلا ضوابط
يقول عاقل إن الخطر لا يكمن في انتشار المعلومات، بل في غياب المتخصصين الحقيقيين خلف المحتوى: "لا نعرف من يقدّم النصيحة، ولا ما إذا كان يمتلك الخبرة الطبية، وغالباً تكون هذه النصائح مدفوعة بتسويق تجاري يهدف فقط لدفع الناس لشراء منتجات لا يحتاجونها".
فخوارزميات السوشيال ميديا لا تبحث عن صحة المعلومة، بل عن أعلى نسبة مشاهدة.
*هل يكفي الطعام لتغطية حاجة الجسم؟
يرى عاقل أن الغذاء يبقى المصدر الأفضل للفيتامينات والمعادن، لكن نمط الحياة المعاصر - الوجبات السريعة، التوتر، قلة النوم- أضعف جودة النظام الغذائي لدى الكثيرين.
ويضيف: "لدى بعض الفئات، لم يعد الغذاء وحده كافياً، خصوصاً كبار السن، وهنا تصبح المكمّلات ضرورة، لكن في حالات محددة فقط".
* مَن يحتاج فعلاً إلى المكمّلات؟
بحسب عاقل، فإن تناول المكمّلات يجب أن يستند إلى فحص مخبري وحاجة طبية واضحة، لا إلى رأي مؤثر أو إعلان مدفوع.
الفئات الأكثر حاجة للمكمّلات تشمل:
- كبار السن
- النساء خلال الدورة الشهرية
- النساء بعد سن اليأس
- الأشخاص الذين يثبت لديهم نقص عبر التحاليل
ويؤكد أن العناصر الأساسية المثبتة علمياً لدى النساء هي: (الحديد – الكالسيوم – فيتامين د.).
أما "مكمّلات الموضة" مثل البربرين و +NAD، فيعتبرها عاقل "منتجات بلا دليل علمي قوي، بدليل أن الشركات الدوائية الكبرى نفسها لا تنتجها" .
* متى تصبح المكمّلات ضارة؟
الخطر يبدأ عندما تصبح المكمّلات بديلاً عن التشخيص الطبي.
يشرح عاقل: الفيتامينات المنحلة بالماء غالباً يُطرح فائضها خارج الجسم. أما الفيتامينات المنحلة بالدسم فتتراكم تدريجياً وقد تسبب تسممات كبدية وكلوية خطرة.
وما يجعل الأمر أكثر خطورة هو أن هذه السمية قد لا تظهر في البداية، ما يدفع كثيرين للاستمرار بتناول جرعات عالية دون وعي.
* التداخلات الدوائية.. غائبة عن النقاش الشعبي
رغم أن الدراسات لم تثبت تداخلات دوائية خطيرة مع الفيتامينات التقليدية، إلا أن ذلك لا يعني أن التداخل "مستحيل".
لذلك يشدد عاقل على الاستشارة الطبية خاصة لمرضى الأمراض المزمنة، فغياب الدليل لا يعني غياب الخطر.
* لماذا تختلف احتياجات النساء عن الرجال؟
يعزو عاقل هذا الاختلاف إلى عوامل بيولوجية واضحة، كفقد الدم خلال الدورة الشهرية، الحمل والولادة، التغيرات الهرمونية، مرحلة انقطاع الطمث.
ولهذا يجب مراقبة الحديد والكالسيوم وفيتامين د لدى النساء بشكل دوري أكثر من الرجال.
* وعي صحي لا يخضع للترند
في ختام حديثه، يذكّر الصيدلاني محمد عاقل بأن المكملات تجارة قبل أن تكون صحة، وأن الطريق السليم يبدأ دائماً من الفحوصات الطبية لا من ترندات السوشيال ميديا.
فالصحة- كما يقول- لا تُبنى على رفوف الصيدليات، بل على غذاء متوازن، نمط حياة صحي، إشراف طبي، ووعي لا ينجرف خلف المؤثرين.
وبالنتيجة، يبقى الدرس الأهم هو المعلومة الطبية لا تُقاس بعدد المشاهدات… بل بدقة مصدرها.


