تكشف دراسة واسعة النطاق أن سر الوقاية من أمراض القلب لا يكمن في خفض الكربوهيدرات أو الدهون بحد ذاتهما، بل في نوعية ما نضعه في أطباقنا يومياً، في تحول واضح عن السجال التقليدي بين أنصار الحميات المختلفة.
ووفق ما أورده موقع "ScienceDaily"، اعتمد الباحثون على بيانات 198,473 بالغاً في الولايات المتحدة، جرى تتبعهم عبر ثلاث دراسات صحية كبرى ولمدة امتدت إلى ثلاثة عقود، بمتوسط متابعة تجاوز خمس سنوات لكل مشارك.
وخلال فترة الرصد، سُجلت 20,033 حالة إصابة بأمراض القلب التاجية، ما أتاح للباحثين مقارنة أنماط غذائية مختلفة ليس فقط من حيث كمية الكربوهيدرات أو الدهون، بل من حيث مصادرها وجودتها.
مؤشر جديد يفرّق بين "نسخة صحية" وأخرى ضارة
لم يكتف الفريق بتصنيف الأنظمة إلى منخفضة الكربوهيدرات أو منخفضة الدهون، بل طور مؤشرات تميز بين النسخ "الصحية" و"غير الصحية" داخل كل فئة.
النتيجة بدت حاسمة،الأنظمة التي ركزت على الحبوب الكاملة، والبروتينات النباتية، والدهون غير المشبعة مثل زيت الزيتون والمكسرات، ارتبطت بانخفاض ملحوظ في خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية.
في المقابل، ارتبطت الحميات التي اعتمدت على الكربوهيدرات المكررة، والدهون الحيوانية، والبروتينات ذات المصدر الحيواني بارتفاع الخطر، إضافة إلى تدهور في بعض المؤشرات الأيضية.
إشارات بيولوجية تدعم الصورة
لم تتوقف النتائج عند معدلات الإصابة فقط، بل دعمتها تحليلات استقلابية أظهرت أن الأنماط الأعلى جودة غذائياً ارتبطت بـ:
- انخفاض مستويات الدهون الثلاثية
-ارتفاع الكوليسترول الجيد HDL
-تراجع مؤشرات الالتهاب في الجسم
وتشير هذه المؤشرات إلى مسارات بيولوجية مشتركة قد تفسر كيف يمكن لنظام غذائي متوازن وعالي الجودة أن يحمي القلب، بصرف النظر عن توزيع الكربوهيدرات والدهون داخله.
حدود الدراسة وتحفظات ضرورية
أشار الباحثون إلى أن النتائج لا تنطبق بالضرورة على الأنظمة المتطرفة جداً، مثل الحميات منخفضة الكربوهيدرات إلى حدها الأقصى.
كما أن البيانات الغذائية اعتمدت على استبيانات ذاتية، ما يفتح احتمال وجود هامش خطأ في التقدير.
كذلك، كان معظم المشاركين من المهنيين الصحيين، ما قد يحد من تعميم النتائج على جميع الفئات السكانية.
رسالة عملية تتجاوز الجدل
تعيد هذه الدراسة ضبط بوصلة النقاش الغذائي فالقضية ليست في حذف عنصر غذائي بالكامل، بل في اختيار مصادر أفضل له.
ويمكن تقليل الكربوهيدرات أو الدهون، لكن جودة هذه العناصر تظل العامل الحاسم.
ويتحول السؤال بهذا المعنى، من "كم نأكل من هذا أو ذاك؟" إلى "من أين يأتي ما نأكله؟"، وهي زاوية قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل ثقلاً وقائياً كبيراً في مواجهة أمراض القلب المتصاعدة عالمياً.


