قدّم العالم السعودي عمر ياغي ابتكارًا علميًا قد يعيد رسم خريطة الأمن المائي عالميًا، بتقنية قادرة على استخراج المياه من الهواء حتى في البيئات القاحلة، من دون الحاجة إلى شبكات كهرباء مركزية أو بنى تحتية تقليدية.
كيمياء تبني الماء من الفراغ
تعتمد التقنية على مجال يُعرف بـ"الكيمياء الشبكية" Reticular Chemistry، وهو تخصص يقوم على تصميم مواد ذات هياكل جزيئية فائقة الدقة قادرة على التقاط جزيئات بخار الماء من الهواء وتجميعها وتحويلها إلى مياه صالحة للاستخدام.
ووفق ما نشرته صحيفة The" "Guardian البريطانية، فإن هذه المواد المسامية المتقدمة تستطيع العمل في أجواء منخفضة الرطوبة، بما في ذلك البيئات الصحراوية، وهذا يفتح الباب أمام حلول غير تقليدية لمناطق تعاني شحًا حادًا في الموارد المائية.
ألف ليتر يوميًا.. من دون شبكة
تشير شركة Atoco، التي أسسها ياغي، إلى أن الوحدة التشغيلية للتقنية تأتي بحجم حاوية شحن بطول 20 قدمًا، ويمكنها إنتاج ما يصل إلى 1000 ليتر من المياه النظيفة يوميًا.
الأبرز أن النظام يعمل بطاقة حرارية منخفضة مستمدة من البيئة المحيطة، وهذا يجعله مستقلًا عن شبكات الكهرباء والمياه المركزية. هذه الميزة تمنحه أفضلية استراتيجية في المناطق المتضررة من الأعاصير أو الكوارث المناخية حيث تنهار البنى التحتية التقليدية.
من المختبر إلى الجزر المنكوبة
يأتي طرح التقنية في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ حذّرت تقارير أممية حديثة من دخول العالم ما سُمّي بـ"عصر الإفلاس المائي"، مع معاناة نحو ثلاثة أرباع سكان الأرض من مستويات متفاوتة من انعدام الأمن المائي.
في منطقة الكاريبي، التي تتعرض دورياً لأعاصير مدمّرة، ينظر مسؤولون محليون إلى الابتكار بوصفه خيارًا واعدًا لتعزيز مرونة الإمدادات، خصوصًا بعد تجارب قاسية مع أعاصير عطّلت شبكات المياه والكهرباء وأبقت بعض المناطق أسابيع بلا مصادر آمنة للشرب.
بديل أكثر استدامة من التحلية
رأى ياغي أن التقنية تمثل خيارًا بيئيًا أكثر استدامة مقارنة بتحلية مياه البحر، التي تخلّف محاليل ملحية مركزة قد تؤثر في النظم البيئية البحرية عند إعادة تصريفها.
وأكد أن الحلول المناخية لم تعد رفاهًا علميًا؛ بل ضرورة وجودية تتطلب استثمارات جادة في البحث العلمي، إلى جانب حماية استقلالية المؤسسات الأكاديمية وتعزيز التعاون الدولي.
سيرة شخصية صنعت الدافع
يحمل ياغي الجنسية السعودية ويشغل منصب أستاذ الكيمياء في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وقد نال جائزة نوبل في الكيمياء عام 2025 تقديرًا لأبحاثه في تصميم المواد المسامية المتقدمة.
ويستحضر في مناسبات عدة طفولته في مخيم للاجئين بالأردن؛ إذ كان وصول المياه إلى الحي يتم مرة كل أسبوع أو أسبوعين، مؤكدًا أن تلك التجربة المبكرة زرعت داخله سؤالًا ظل يطارده علميًا: "كيف يمكن تأمين الماء بعيدًا عن هشاشة الشبكات التقليدية؟"


