يكشف الصيام في أيامه الأولى عرضاً شائعاً يطرق أبواب كثيرين بصمت ثقيل، صداع نابض يتمدد خلف الجبهة كأنه تذكير بيولوجي بموعد اعتاده الدماغ ولم يأتِ. وبينما يُعزى الأمر أحياناً إلى الجوع أو انخفاض السكر، تشير التفسيرات العلمية إلى سبب مختلف هو ما يُعرف بـ"انسحاب الكافيين".
وبحسب موقع "الجزيرة.نت"، فإن ما يُعرف بـ"صداع الانسحاب" يمثل استجابة فسيولوجية طبيعية عند التوقف المفاجئ عن استهلاك الكافيين، لا سيما عند من اعتادوا جرعات يومية منتظمة.
ماذا يحدث داخل الدماغ؟
يعمل الكافيين لتضييق الأوعية الدموية في الدماغ. وعند انقطاعه فجأة، تتمدد هذه الأوعية بسرعة، فيزداد تدفق الدم ويُحفَّز عدد من المستقبلات العصبية، وهذا يُترجم إلى صداع قد يترافق مع العصبية، وضعف التركيز، والإرهاق.
كما تؤدي مادة "الأدينوزين" دوراً محورياً في هذه العملية. فالكافيين يثبط تأثيرها عند الاستهلاك المنتظم، لكن عند التوقف، تتراكم الأدينوزين وتستعيد نشاطها، مسببة شعوراً بالنعاس وثقل الرأس.
لماذا تتفاقم الأعراض في رمضان؟
يتزامن الامتناع عن القهوة والشاي في رمضان مع صيام طويل قد يتجاوز 14 ساعة، وهذا يجعل أعراض الانسحاب أكثر وضوحاً. وتشير بيانات طبية إلى أن الأشخاص الذين يستهلكون أكثر من 200 ملغ من الكافيين يومياً، أي ما يعادل كوبين إلى 4 أكواب من القهوة، هم الأكثر عرضة لهذه الأعراض.
وغالباً ما يبدأ الصداع في 12 إلى 24 ساعة من التوقف عن الكافيين، وقد يستمر من يومين إلى 3 أيام حتى يتكيف الجسم مع النمط الجديد.
التوقيت المثالي للقهوة بعد الإفطار
يميل البعض إلى شرب القهوة فور أذان المغرب، غير أن توصيات غذائية تنصح بالانتظار من ساعة إلى ساعتين بعد الإفطار. فالجهاز الهضمي يكون في مرحلة إعادة تنشيط، ومستويات السكر ترتفع بسرعة بعد الطعام، وهذا يجعل إضافة منبه قوي في اللحظة نفسها عبئاً إضافياً.
ويوصي مختصون بالبدء بالماء والتمر لتعويض السوائل والطاقة، ثم إتاحة فرصة للمعدة قبل إدخال الكافيين إلى الدورة الدموية.
كيف يمكن تخفيف "صداع القهوة"؟
- تقليل استهلاك الكافيين تدريجياً قبل حلول رمضان بدلاً من التوقف المفاجئ.
- تعويض السوائل بانتظام بين الإفطار والسحور.
- تأخير شرب القهوة ساعة أو ساعتين بعد تناول الطعام.
- تجنب الإفراط في الكمية مساء لتفادي اضطرابات النوم وعودة الصداع.
بين الطقس الاجتماعي والاعتماد البيولوجي
تحمل القهوة في كثير من البيوت العربية بعداً ثقافياً يتجاوز كونها مشروباً منبهاً. فهي طقس اجتماعي يواكب الأحاديث والسهرات.
لكن الجسد يتعامل معها بوصفها مادة فعالة تؤثر في الأوعية الدموية والمستقبلات العصبية، وهذا يجعل الانقطاع المفاجئ عنها تجربة فسيولوجية حقيقية، لا مجرد حنين إلى عادة يومية.


