يكشف الصيام في شهر رمضان عن تأثيرات صحية تتجاوز مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، إذ تشير دراسات علمية متزايدة إلى أن هذه الممارسة قد تسهم في إعادة ترتيب التوازن الدقيق للكائنات الدقيقة التي تعيش في الجهاز الهضمي، والمعروفة باسم "الميكروبيوتا".
ويعتقد الباحثون أن هذا التغير قد ينعكس إيجابا على وظائف عديدة في الجسم، من المناعة إلى التمثيل الغذائي.
الميكروبيوتا.. جيش خفي داخل الجسم
تضم أمعاء الإنسان تريليونات من الكائنات الدقيقة التي تشكل منظومة حيوية معقدة تلعب أدوارا أساسية في الحفاظ على الصحة.
وتشمل هذه الكائنات البكتيريا والفيروسات والفطريات، لكن البكتيريا تمثل النسبة الأكبر منها.
وتعمل هذه المجتمعات الدقيقة كخط دفاع أول ضد الميكروبات الضارة، كما تسهم في هضم الغذاء واستخلاص الطاقة منه، إضافة إلى دورها في تنظيم جهاز المناعة والتأثير في بعض الوظائف العصبية والهرمونية.
لذلك يربط العلماء بين توازن هذه البكتيريا وبين الوقاية من أمراض عديدة، مثل السمنة والسكري واضطرابات المناعة.
الصيام وتأثيره في التنوع البكتيري
تشير مراجعة علمية نشرت عام 2025 في مجلة Current Research in" "Biotechnology إلى أن الصيام قد يساهم في زيادة التنوع البكتيري داخل الأمعاء، وهو مؤشر يرتبط غالبا بصحة أفضل للجهاز الهضمي والجسم عموما.
ووجدت الدراسة أن الصيام يمكن أن يعزز نمو بعض البكتيريا النافعة، ما قد يؤدي إلى تحسن مؤشرات الأيض مثل ضغط الدم ومستويات السكر في الدم، إضافة إلى تقليل الالتهابات وتحسين التحكم في الوزن.
الغذاء عامل حاسم بعد الإفطار
رغم هذه النتائج الإيجابية، توصلت دراسات أخرى إلى أن الصيام وحده لا يكفي لإحداث تغييرات دائمة في الميكروبيوتا.
ففي دراسة نشرت عام 2020 في مجلة "Nutrients" وشملت مجموعة من الصائمين خلال رمضان، لاحظ الباحثون تغيرات في نسب بعض أنواع البكتيريا مع نهاية الشهر، لكن تحليل النتائج أظهر أن نوعية الطعام المتناول بعد الإفطار كانت العامل الأكثر تأثيرا في هذه التغيرات.
وخلص الباحثون إلى أن الإفراط في الأطعمة قليلة الألياف أو الغنية بالدهون قد يقلل من بعض البكتيريا المفيدة، بينما يساعد النظام الغذائي المتوازن على دعم نموها.
أطعمة تعزز البكتيريا المفيدة
تشير الأبحاث إلى أن بعض المكونات الغذائية يمكن أن تدعم صحة الميكروبيوتا بشكل ملحوظ خلال شهر رمضان، من أبرزها:
- الفواكه والخضراوات الغنية بالألياف
- البقوليات مثل العدس والحمص
- الحبوب الكاملة
- المكسرات والبذور
- البروتينات النباتية
كما أظهرت دراسات أن تناول السكريات المعقدة والأطعمة النباتية قد يزيد من بكتيريا تنتج مركبات مفيدة للأمعاء مثل "البيوتيرات"، وهي مواد تساعد على تقليل الالتهاب وتحسين صحة الجهاز الهضمي.
تغييرات مؤقتة أم دائمة؟
في مراجعة علمية نشرت عام 2024 بإشراف باحثين من جامعة شرق فنلندا، تبين أن الصيام قد يغير بالفعل تركيبة البكتيريا المعوية مع نهاية شهر رمضان، إذ تزداد بعض الأنواع بينما تنخفض أخرى.
لكن الباحثين لاحظوا أن هذه التغيرات غالبا ما تكون مؤقتة، إذ تعود تركيبة الميكروبيوتا إلى حالتها السابقة بعد انتهاء رمضان، خاصة إذا عاد الأشخاص إلى نمطهم الغذائي المعتاد.
الصيام والنظام الغذائي.. تأثير متكامل
توصلت أبحاث أخرى إلى أن الجمع بين الصيام ونظام غذائي صحي قد يحقق فوائد أكبر.
فقد أظهرت دراسة أجريت في مراكز بحثية ألمانية أن الصيام المتبوع بحمية غذائية مخصصة لمرضى ارتفاع ضغط الدم ساعد على تحسين توازن البكتيريا المعوية، ما انعكس إيجابا على جهاز المناعة وساعد في خفض ضغط الدم لفترات أطول.


