كشفت أبحاث علمية حديثة أن اختلاف استجابة البشر للعدوى لا يعود إلى قوة الجراثيم وحدها؛ بل يرتبط بدرجة كبيرة بعوامل وراثية ومناعية خفية داخل الجسم. فبينما يستطيع معظم الناس مقاومة بعض الميكروبات بسهولة، قد تتحول العدوى نفسها إلى مرض شديد أو قاتل عند آخرين بسبب خلل في الجهاز المناعي.
طفرات جينية تضعف الدفاعات الطبيعية
أوضح العلماء أن ما يعرف بـ"أخطاء المناعة الخَلقية" يمثل أحد التفسيرات الرئيسية لهذا التفاوت؛ إذ تحدث هذه الحالات نتيجة طفرات جينية نادرة تؤثر في عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن التصدي للفيروسات والبكتيريا.
وتمكن الباحثون منذ ثمانينات القرن الماضي من تحديد أكثر من 500 جين ترتبط بهذه الاضطرابات، وهذا يعني أن ملايين الأشخاص حول العالم قد يحملون تغيرات وراثية تجعلهم أكثر عرضة للإصابة بعدوى خطرة لا تسبب عادةً مشكلات صحية عند غيرهم.
ولم يقتصر هذا الخلل على ضعف مناعي شامل؛ بل قد يجعل الشخص أكثر حساسية تجاه أنواع محددة من الميكروبات مثل بكتيريا السل أو فيروسات الإنفلونزا والهربس.
دروس كشفتها جائحة "كوفيد - 19"
سلطت جائحة كورونا الضوء على هذا اللغز الطبي تسليطاً واضحاً؛ إذ أصيب ملايين الأشخاص بفيروس كورونا بأعراض خفيفة، بينما عانى آخرون من مضاعفات حادة وصلت إلى الفشل التنفسي.
وأظهرت دراسات قادها علماء من جامعات دولية أن نحو 10% من الحالات الشديدة ارتبطت بوجود خلل مناعي غير مكتشف سابقاً، يتمثل في أجسام مضادة ذاتية تهاجم عناصر الجهاز المناعي بدلاً من محاربة الفيروس.
كما تبين أن هذه الظاهرة قد تظهر أيضاً في بعض حالات الإنفلونزا الحادة.
عندما تكتب الجينات قصة المرض
أظهرت الأبحاث أن الجهاز المناعي يعمل وفق تعليمات وراثية معقدة، فإذا وُجد خلل في أحد الجينات المسؤولة عن إنتاج بروتينات الدفاع المناعي، أصبح الجسم أقل قدرة على التعرف إلى الميكروبات أو القضاء عليها.
وفي حالات أخرى بالغ الجهاز المناعي في رد فعله، فتسبب في التهابات شديدة قد تكون أخطر من العدوى نفسها.
دور "علم التخلق" في تشكيل المناعة
لم تقتصر العوامل المؤثرة على الجينات وحدها؛ بل أدت البيئة ونمط الحياة دوراً إضافياً عبر ما يعرف بـ"علم التخلق" أو اللاجينوم.
وأشارت دراسة حديثة نُشرت في مجلة "Nature Genetics" في كانون الثاني/ يناير 2026 إلى أن النشاط الجيني في خلايا المناعة يمكن أن يتغير بفعل عوامل مثل الغذاء والضغوط النفسية والعدوى السابقة واللقاحات.
وعمل هذا النظام كطبقة تنظيمية فوق الحمض النووي؛ إذ أضاف علامات كيميائية تتحكم في تشغيل بعض الجينات أو إيقافها من دون تغيير الشفرة الوراثية نفسها.
كيف تترك التجارب بصمتها في جهاز المناعة؟
حلل الباحثون في الدراسة عينات دم من 110 أشخاص ودرسوا 4 أنواع رئيسية من خلايا المناعة، فأظهرت النتائج أن بعض التأثيرات الجينية تبقى ثابتة داخل الجينوم، خصوصاً في الخلايا المناعية طويلة العمر.
وفي المقابل تركت التجارب الحياتية والعدوى السابقة تغييرات مرنة ساعدت الجهاز المناعي في الاستجابة أسرع عند مواجهة ميكروبات جديدة.
فهم جديد للأمراض المعدية
اقترح عدد من العلماء أن العدوى الشديدة قد تكون في كثير من الأحيان نتيجة خلل مناعي كامن داخل الجسم، وليس فقط بسبب قوة الجرثومة نفسها، مع بقاء عوامل أخرى مثل العمر والبيئة والحالة الصحية العامة مؤثرة في شدة المرض.
وأشار هذا الفهم إلى أن الأمراض المعدية هي نتيجة تفاعل معقد بين الإنسان والميكروب؛ إء تحدد الجينات والتجارب الحياتية معاً كيفية استجابة الجسم للعدوى.


