هاشتاغ
قال "المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات" إن تهديدات تتظيم "داعش" تتمثل في إعادة تنظيم صفوفه مستغلًا الفراغ الأمني وتحول النفوذ السياسي في شمال شرقي سوريا من "قسد" إلى الحكومة السورية، وهذا قد يزيد من الهجمات التي تستهدف كمائن أمنية وقوافل عسكرية.
وأضاف المركز في تقرير له أن المخاوف تتصاعد من تموضع خلايا "داعش" في البادية السورية وعند الحدود السورية ـ العراقية، وتوسيع عملياتها ضد البنية التحتية في البلدين باستخدام السيارات المفخخة، إلى جانب إعادة ربط شبكاته الإقليمية بالعناصر الهاربة خارج سوريا والعراق بالتواصل عبر القنوات ووسائل الاتصال المشفرة، الأمر الذي قد يؤدي إلى انتشار موجة إرهاب عابرة للحدود.
من المتوقع أن يسعى "داعش" إلى توظيف الظروف الراهنة في سوريا لصالحه، بالانتشار عبر الحدود السورية ـ العراقية، لا سيما أن مهمة مراقبة هذه المناطق شديدة الصعوبة.
لكنه وفي الوقت نفسه، قد يستغل "داعش" سيطرة القوات الحكومية على مناطق ريف الرقة والحسكة ودير الزور، وهي أقل خبرة من قوات "قسد" في إدارة هذه المناطق، لإحداث فوضى وتمرد داخل المخيمات والسجون، الأمر الذي قد يتطلب رقابة مشددة من قبل التحالف الدولي، وتزويد القوات المحلية بالمعلومات الاستخباراتية المهمة لإحكام السيطرة على هذه المناطق، ومنع خلايا "داعش" من التواصل مع المعتقلين في السجون.
مخاوف أوروبية
بحسب التقرير، فإن المخاوف تركز على عودة مقاتلي "داعش" الأجانب إلى أوروبا، نظراً إلى تغير الأوضاع السياسية والأمنية في مناطق شمال شرق٥ سوريا، وفرار أعداد عبر الحدود السورية ـ العراقية، وهذا يرجح إعادة تجمّع الخلايا النائمة والتنقل عبر الحدود، واستغلال الذكاء الاصطناعي في الدعاية المتطرفة، والتكنولوجيا الحديثة مثل الطائرات المسيّرة لتنفيذ هجمات عابرة للحدود.
ويتخوف مسؤولو الاتحاد الأوروبي من عودة المقاتلين الأكثر خبرة قتالية وتنظيمية، وتوجيه "الذئاب المنفردة" عبر قنوات الاتصال المشفّرة.
كما تثير الاضطرابات التي تشهدها السجون والمخيمات شمال سوريا قلقًا بشأن احتمالات الوصول إلى أوروبا عبر مسارات تقليدية، بالهروب عبر شرق المتوسط والاتجاه إلى اليونان ودول البلقان ووسط أوروبا.
وقد يلجأ بعض المقاتلين العائدين إلى الانضمام لموجات الهجرة غير الشرعية عبر وثائق مزورة، أو التحرك عبر مسارات غير تقليدية مرورًا بدولة ثالثة، من سوريا أو العراق عبر تركيا، أو دول القوقاز، أو شمال إفريقيا، ثم الانتقال إلى أوروبا.
في الثلاثين من كانون الثاني/ يناير، طالبت كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، بتجنب حدوث فراغ أمني واستمرار جهود محاربة "داعش" في سوريا والعراق، محذرة من تكرار حالات هروب المقاتلين.
فرنسا تطبق سياسات مشددة في استعادة مقاتلي "داعش" من مخيمات وسجون سوريا، مع إعادة عدد محدود من الأطفال والنساء. وفي 13 مارس 2025 قضت محكمة إدارية في فرنسا بضرورة إعادة النظر في رفض طلبات استعادة عدد من النساء والأطفال.
بينما ألمانيا تركز على الملاحقة الأمنية الداخلية للعائدين حين تتوفر أدلة، وترحيل مواطنين أجانب في حال عدم الموافقة على حق اللجوء، وقد شهد عاما 2024 و2025 ترحيل أعداد كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين.
وتعتمد بريطانيا على نهج أمني وقانوني متكامل، لا سيما أن السياسة البريطانية تميل إلى استعادة أطفال ونساء "داعش" عندما يكون ذلك ممكناً، وملاحقة مقاتلي التنظيم العائدين إذا توفرت أدلة جنائية، مع تدابير مثل أوامر منع السفر حين لا تتوفر الأدلة للمحاكمة.
إخفاق التحالف الدولي
المركز كشف في تقريره عن إخفاق التحالف الدولي لمكافحة "داعش" في منع فرار بعض مقاتلي التنظيم من سجون شمال شرقي سوريا، لعدم وضع خطة استباقية للتعامل مع تطورات الاشتباكات بين الحكومة السورية و"قسد"، وهذا يظهر قصورا في قراءة المشهدين السياسي والأمني، وتقدير قدرات قوات "قسد " التي انسحبت بعد الاشتباكات مع الحكومة السورية، وفق المركز.
كما أن الأمر يتعلق بغياب البيانات المتعلقة بمواقع الاحتجاز وقوات الحراسة، ووجود فجوة في تبادل المعلومات الاستخبارية بين الشركاء الإقليميين والدوليين.
أشار التقرير إلى أن التحالف لا يمتلك موارد كافية لتجهيز منشآت احتجاز بديلة لنقل المقاتلين فوراً بعد الانهيار الأمني الذي تعرضت له المنطقة، كما لا تتوافر لديه حماية جوية وبرية كافية لتنفيذ حصر شامل للهاربين، إلى جانب اعتماده على موارد بشرية وأمنية محدودة، متمثلة في قوات "قسد"، لتأمين هذه السجون.
كما تسبب امتناع دول أوروبا عن استعادة مواطنيها في زيادة الأعباء على التحالف فيما يتعلق بنقل المقاتلين.
بدأت القيادة المركزية الأمريكية "سينتكوم"، في 21 يناير 2026، عملية نقل منظّمة لنحو (7) آلاف معتقل من سجون سوريا إلى العراق، لضمان بقائهم في أماكن احتجاز آمنة.
وضمت الدفعة الأولى (150) عنصراً، بينهم قياديون بارزون في التنظيم ومقاتلون أوروبيون. وفي 24 يناير 2026، نُقل مئات المعتقلين في الدفعة الثانية، وُزِّعوا على 3 سجون في العراق.
ويُنسّق التحالف مع السلطات العراقية لتسهيل عملية النقل عبر الحدود إلى مرافق أمنية عالية المستوى في العراق. كما ركّز التحالف على تنسيق أمني ودبلوماسي مع القوات الحكومية السورية في مناطق الاحتجاز والمخيمات التي يوجد فيها مقاتلو "داعش" وعائلاتهم، لا سيما أن الحكومة السورية انضمّت إلى جهود التحالف في 11 نوفمبر 2025.
ويقول مدير مشروع السلام والأمن الإقليميين في الشرق الأوسط، في فرع مؤسسة "فريدريش إيبرت" الألمانية في بيروت "ماركوس شنايدر": "إن قوات سوريا الديمقراطية كانت تسيطر على الجهاديين بالمنطقة؛ لذا يجب دعمها دوليا".
وعلى الرغم من التباطؤ في نقل مقاتلي "داعش" إلى العراق، عقب دعوات من بغداد لدول أخرى لاستعادة مواطنيها من المقاتلين، فإنه تم نقل ما يقارب (1300) مقاتل من التنظيم حتى 3 فبراير 2026.
في ضوء ذلك، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو: "أن المقاتلين الأجانب سيبقون في العراق مؤقتاً، وستحث واشنطن الدول على تحمّل مسؤوليتها وإعادة مواطنيها للمحاكمة".
وبحسب المركز فإن بقاء أطفال ونساء "داعش" في المخيمات يعد تحدياً إنسانياً إضافياً أمام تعامل التحالف الدولي مع الوضع هناك، ومنع حدوث أي تمرد أو فوضى في مناطق احتجازهم.
مستقبل دور التحالف
يحتفظ التحالف بقوات وأصول لوجستية في مناطق شمال شرقي سوريا لتأدية مهام المراقبة والضربات الجوية المحدودة ضد خلايا "داعش" وتقديم الدعم اللوجستي للحكومة السورية، ودعم العراق في نقل ومحاكمة مقاتلي التنظيم.
هذا السيناريو - وفق المركز - يرتبط بتغير خريطة النفوذ في شمال سوريا، وارتباك الأوضاع الأمنية عقب انسحاب "قسد"، والمخاوف من تكرار حوادث هروب عناصر "داعش" من السجون. ويُعد هذا السيناريو الأقرب في ظل المخاوف من عودته.
التحول من الدور الميداني إلى الاستشاري
تواصل دول التحالف الدولي، وفي مقدمتها ألمانيا، دورها في دعم القدرات الاستخباراتية وتبادل المعلومات مع الشركاء، وتدريب الفرق المحلية على ملاحقة الشبكات المالية للتنظيم والتحقيق مع عناصره.
وتُعد هذه المهام بداية لتحول التحالف إلى دور استشاري وتدريبي، والانسحاب من الأدوار الميدانية المباشرة، والاكتفاء بتزويد الحكومتين السورية والعراقية بالدعم المعلوماتي والتقني والجنائي، وتعزيز قدراتهما في احتجاز ومحاكمة عناصر "داعش". ويُعد هذا السيناريو وارد الحدوث، ولكن تدريجياً يضمن حفظ الأمن في سوريا والعراق.


