أرصفة الشام ابن بطوطة

أرصفة الشام حكى عنها ابن بطوطة والآن لطاولات البيتزا والمعسل

دمشق سحرت الرحالة ابن بطوطة بأرصفتها حتى ذكرها في كتابه “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” ومن أبرز ما جاء “كما أن هناك أوقافا لتحسين ورصف الدروب, لأن كل الدروب في دمشق لها أرصفة على جانبيها يمشي عليها الراجلون” وهذا السحر الذي شاهده في ذلك الزمان دليل تفوق دمشق على نظيراتها من العواصم والمدن التي زارها ولم يجد فيها ما وجده في هذه البلاد.

الرصيف بتعريفه ووظيفته هو المساحة المخصصة لمرور المشاة, يكون مفصولا عن الطريق المخصص لسير المركبات تفاديا للحوادث وحفاظا على حياة المواطنين الراجلين, لذلك يتم رفعه عن الطريق أو توضع حواجز لمنع المركبات من اقتحامه, حتى إن تصميمه يكون بشكل مريح يراعي فيه المصمم عدم وضع درجات كي يتاح لكبار السن والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة السير من دون عقبات أو عثرات.

لكن ابن بطوطة لم يذكر في كتابه الشهير مقاهي دمشق و(سناكاتها) ربما لم يسعفه الحظ في زيارة شارع الفارابي لتناول البيتزا أو شرب نفس معسل تفاحتين على أطلال الشارع بعد أن اكتسحت الطاولات الرصيف واحتلت مكان مرور المواطنين, ربما كان مرور ابن بطوطة في أوقات الصباح مع موظفي محافظة دمشق الذين لم يشاهدوا تلك المخالفة لأن الدوام ينتهي في ساعة محددة, ونحن لا نتهمهم أبدا بأنهم غضوا البصر عن المخالفة خوفا و خجلا, أو أنهم يتقاضون مقابل مادي حتى لا يتمتعون بنعمة البصر لا سمح الله, فاتهام الناس من دون دليل ملموس من الكبائر وبخاصة بعد التهديد المبطن بعدم الاقتراب من مواضيع تستهدف العمل الحكومي, وهنا لا نسأل عن مصير من استباح الأموال العامة وقنص قروضا بالمليارات دون أن يجد من يردعه فاعتقد أن بإمكانه استباحة أملاك الدولة واستثمار أرصفتها وشوارعها لمصلحته الخاصة (ربما أراد المسكين أن يسدد أول مليار من دخل هذه الطاولات والأراكيل). هنا نشير إلى خلل لم تشاهده لجان المحافظة التي أنذرت سكان خط المزة جبل بإزالة اللوحات الإعلانية الخاصة لبعض الصيدليات عن أعمدة الإنارة, ونتمنى عليهم أن يقوموا بزيارة شارع الفارابي- المزة ومحاولة المشي على الأرصفة قدر الإمكان لكن ننصحهم بالانتباه حتى لا يتعثروا برواد المقاهي ونراجيلهم.

من المعيب اعتبار مشي المواطن على الأرصفة حق من الحقوق ويجب طرحه أو المطالبة به, أو بحثه ولاسيما أن المواطن السوري يفتقد للأجنحة التي تمكنه من التحليق حين تنقله, ونحن نعلم كم تنفق محافظة دمشق من مبالغ سنويا لترميم الأرصفة و إصلاحها, وبالتأكيد تدفع هذه الكتل المالية حتى يسير المواطن عليها لا لتفترش طاولات المقاهي تلك الأرصفة ويتحول مكان السير إلى منتزهات, ويضطر المواطن للسير في الشارع جنبا إلى جنب مع الشاحنات والسيارات.

هذا النوع من المخالفات لا ينحصر في مقاهي منطقة المزة بل نجده في عدة مناطق وأسواق منها شارع الحرية أو شارع الحمراء كما هو معروف عند الكثيرين, فاغتصاب الأرصفة وسرقة حق و آمان المواطن لصالح زبائن تلك المقاهي موضة لا أحد يردعها, ولا نعرف كم يجني أصحاب هذه المحال من خلال عشر طاولات إضافية مقابل منع المواطن من السير بحرية ومن دون خطر يحدق به من سباقات السرعة التي يمارسها البعض للتعبير عن سخطه من حبيبته, أو للتعبير عن انزعاجه من غياب “المالبورو” من السوق المحلية.

السؤال برسم محافظة دمشق هل حقا لم تشاهد مقاهي الرصيف غير الشرعية؟ أم أنها تغض البصر بحجة أننا في حرب, إن افترضنا حسن النية وأنها لم تشاهد هذه المخالفات لأنها من الطرف الخلفي لتلك المحال فها نحن نخبرها وإن رفضوا الاطلاع على هموم المواطن من حقنا مطالبتهم بالتوقف عن هدر المال على تلك الأرصفة لأن المواطن لا يستطيع السير عليها ولا تحقق الشرط من وجودها. ولماذا يتم إزالة مخالفة وتمنع في خط الجبل ولا تمنع في شارع الفارابي؟ هل هي سياسة الكيل بمكيالين, أم أن دمشق باتت للأغنياء فقط و أصحاب المقاهي وروادها, وأصحاب السيارات, أما المواطن الفقير فلا مكان له لا داخل السيارات الفارهة ولا على طاولات المقاهي, ولا موطأ قدم للسير والتنقل.


مقالة ذات صلة :

مدينة النارنج قرف وسماجة وبراءة من الدراما


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

نُشرت بواسطة

لؤي سلمان

شاعر وكاتب صحفي من مواليد حمص
لديه العديد من المقالات الصحفية والنقدية في الصحف كالحياة , والسفير ,والحوادث الكويتية إضافة إلى الصحف المحلية “تشرين ,الثورة ,البعث, القنديل..
له مجموعتي شعر بعنوان “لفافة الوقت” صادره عن دار بدايات لبنان2012.
وديوان “يسألونك عن الشعر” صادر عن دار التكوين دمشق 2015.
شارك في عديد من مهرجانات الشعر في سورية ولبنان ومنهم مهرجان صور.
كما شارك في مهرجان القصة القصيرة جدا 2015 مركز ثقافي المزة.
مهرجان القصة القصيرة جدا 2016 جمعية العاديات طرطوس.
له سيناريو روائي قصير “رانديفو”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.