هاشتاغ سوريا

كل ما يخص سوريا

الكارثة مستمرة.. مليون قطعة أثرية مسروقة والترميم يأتي على ما تبقّى: سوريا تخسر هويتها.. وأربعين سنة لتقدير حجم الخسارة الحقيقية

’آثار سوريا‘ سبايا تُساق إلى المتاحف الأجنبية أو تُقتل واقفة أمام أعين السوريين وبمشاركتهم أحياناً!!

تركت الحرب جروحا بالغة على “آثار سوريا” سرقة،تهريب، تدمير وتخريب، وكل ذلك في ظل واقع محلي متردي؛ فلا ثقافة تعزز قيمة هذه الآثار وتحمّل المواطن مسؤولية حمايتها، ولا توثيق مسبق لما تحتويه سورية الغنية بالآثار من قطع آثرية في مختلف المحافظات..

الجهل بهذه الثروة الهامة سمح بالكثير من الجرائم التي طالتها والتي تبدأ من عدم إمكانية حصر الخسائر وتنتهي بترميم مخجل يتعامل مع هذا الإرث التاريخي بشكل عشوائي يطمس معالمه ويأتي على ما تبقى منه!!

شارك في الملف: كاترين الطاس – نجود يوسف – ليلاس العجلوني

’الآثار المنهوبة‘ أبرز ضحايا الحرب: أكثر من مليون قطعة أثرية سُرقت وهُرّبت إلى الغرب..

كاترين الطاس

ليس البشر وحدهم، ضحايا الحرب السورية التي تشهدها البلاد منذ أكثر من ٨ سنوات، بل كانت الآثار والمواقع الأثرية إحدى أبرز ضحايا الحرب الدائرة في سوريا، فالكثير من المواقع والمتاحف الأثرية تعرضت للنهب والسرقة، ووجدت طريقها إلى خارج البلاد.

ولم يُعرف حتى الآن الخسائر الحقيقية التي لحقت بالآثار السورية، بسبب عدم القدرة على معاينة الكثير من المواقع وتحديد الأضرار التي لحقت بها، ولكن من المؤكد أن الآثار السورية تعرضت لمذبحة كبرى.

خسائر سوريا من سرقة الآثار وتدميرها:

يشير مدير عام الآثار والمتاحف، محمود حمود في تصريحات ل”هاشتاغ سوريا” إلى أن مديرية الآثار والمتاحف لم تكن موفقة بالأرقام الدقيقة عن كمية الخسائر، لأنه لم يكن لديها الوثائق الصحيحة، “وبالرغم من إعلانها عن سرقة حوالي 15 ألف قطعة أثرية، لكنها لم تكن دقيقة، فلم تأخذ بالحسبان القطع غير المتحفية (الموجودة في المستودعات)”.

مضيفاً: محافظة إدلب سُرق منها حوالي 16 ألف قطعة أثرية، أما مستودعات محافظة إدلب بما تحويه من قطع “كلها غير موثقة”، حتى الآن لم يعرف ما سرق منها وما تبقى، وكذلك الحال بالنسبة لمتحف الرقة، والتي أعلنت مديرية الآثار أنه سرق منه أقل من 6 آلاف قطعة، ولكن آلاف القطع غير الموثقة سُرقت من المستودعات، ويعود عدم التوثيق إلى تقصير الإدارات المتعاقبة لمديرية الآثار، حسب ما يقول حمود.

متابعاً، أن متحف بصرى الشام سرق منه حوالي 700 قطعة أثرية، ومحافظة حمص لم تسلم أيضا، وسرق منها ما بين 400_500 قطعة أثرية.

ويستدرك مدير عام الآثار والمتاحف: “لا أبالغ إن قلت – وأنا مسؤول عن كلامي- أن ما لا يقل عن مليون قطعة أثرية سُرقت من متاحفنا الوطنية وذهبت للغرب، واتضح ذلك من خلال المسوحات التي تمت على المواقع وآثار الأضرار والتنقيبات”.

وفي هذا السياق، يؤكد مأمون عبد الكريم، دكتور في كلية الآثار ومدير عام سابق للآثار والمتاحف في تصريحات ل” هاشتاغ سوريا”، أن قضية تهريب الآثار، هي قضية طويلة ومعقدة، ونحن نحتاج حوالي 30_40 سنة، كي نستطيع تقدير حجم الخسائر من سرقة ونهب آثارنا.

  الآثار المنهوبة.. ماذا استُرِد منها؟

يشير حمود إلى أن الجيش السوري وبعد تحريره المناطق من الإرهاب، استرد حوالي 25 ألف قطعة أثرية، وذلك من غوطة دمشق، تدمر، أفاميا، درعا، ماري والفرات.

أما بالنسبة للقطع التي أصبحت خارج سوريا، فيوضح مدير عام الآثار والمتاحف: “شكلنا مكتبة للاسترداد، ونتابع أي خبر عن أي قطعة أثرية في أي وسيلة إعلام، ولدينا علاقة جيدة مع الانتربول الدولي، والذي يقوم بإخبارنا عن أي قطعة أثرية يجدها”.

مضيفا أن السلطات التركية صادرت 24 ألف قطعة أثرية كانت مهربة من سوريا، ولكنها لم تعِدها إلى الآن، وأيضا الأردن فهناك مئات القطع الأثرية لنا لديها، ولم تردها، والدولة الوحيدة التي ساعدت هي لبنان، والتي أعادت لنا مئات القطع.

بدوره، يعتقد عبد الكريم أن سوريا قد تحتاج لإدارة مركزية لمكافحة تهريب الآثار، على رأسها مدير متخصص، وتضم محامين، ليعالجوا قضايا التهريب ويتعاملوا مع الأنتربول الدولي، ويكون لديهم شبكة تواصل وعلاقات قوية.

وعن الطرق التي تم تهريب القطع من خلالها خارج سوريا يشير حمود، إلى أن الحدود مفتوحة ومستباحة، ومنها الطريق إلى تركيا، الأردن، لبنان، وكيان الاحتلال الاسرائيلي.

اعتداء على التاريخ..

يثبت التاريخ أن سرقة الآثار في سوريا موجودة منذ فترات بعيدة، بدأت مع الاحتلال العثماني ثم الاحتلال الفرنسي، ويرسخ في أذهان السوريين عموما معلومات عن الآثار التي سرقها الجنرال غورو من ضريح القائد صلاح الدين الأيوبي عند دخوله دمشق، حيث قام بسرقة العديد من الآثار التي ما زالت موجودة حتى الآن في متاحف باريس.

ويتساءل وعد المهنا ( الناشط والصحفي المتخصص في الآثار السورية):  كيف نخاطب فرنسا ورئيسها الذي يَعِد دولا بأسرها بإعادة قطعها الأثرية المنهوبة التي تتزين بها المتاحف الفرنسية  كاللوفر وسواه؟!.. وهي تصادر قطعا أثرية معارة لأربع سنوات من متاحف الدولة السورية لمعهد العالم العربي في باريس عام 2009  ويصل عددها إلى 21 قطعة من نخب حضارتنا السورية؟!.. كيف نفعل ذلك وفرنسا تصادر قطعا أثرية سوريّة مهربة تمت مصادرتها من الشرطة الفرنسية ؟!.. لاسيما وأنها بنواياها تلك تصادر إرث سوريا الحضاري منذ انتدابها ولا تزال حتى اليوم تنتهج ذات السياسة العنجهية وتفتتح قاعات جديدة في اللوفر، كما فعلت هذا العام بافتتاحها قاعة جديدة يتوسطها تمثال مملكة ماري على الفرات؟!.. وتمثال لشامبليون يدوس على رأس ملك ملوك مصر رمسيس أمام الكوليج دي فرانس؟!..

يضيف مهنا المقيم في فرنسا حالياً: ما حيينا سنقاتل من أجل ذلك كله”.

في متاحف غريبة!

من المؤسف جداً أن نرى المتاحف العالمية تتباهى بقطعنا الأثرية المسروقة ونحن غير قادرين على تحريك ساكن، فالأخطاء كانت كثيرة ومحاولات الاسترداد لاتزال خجولة جداً..

إذاً، هل سيتوجب علينا يوما أن نسافر إلى فرنسا مثلا لرؤية الآثار التي أمضت آلاف السنين في سوريا وقد استقرت ختاماً في متاحف غريبة؟!

الترميم في سوريا.. الارتجال والإسعافية وصفة حكومية جاهزة يتشاركها مستفيدون ومستعجلون!

نجود يوسف

إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم، عشرات العوائل في مناطق متفرقة من سوريا آثرت القيام بأعمال ترميم ذاتية لأبنية ومساكن أثرية بهدف العودة السريعة إلى بيوتها وحياتا، أو بهدف استثمارها دون معرفة من مديرية الآثار والمتاحف أو المحافظة تارة، وبتجاهل مقصود تارة أخرى، في ظل غياب برنامج وطني يعمم ويفرض على جميع المعنيين الابتعاد عن الارتجال بمبادرات فردية لا تقل في إساءتها وتشويهها عما خُرّب وسرق ونهب من قبل الإرهاب الذي كان رازخاً في المناطق التي كان يسيطر عليها.

ويذهب الكثير من المطلعين على هذا الملف – آثار سوريا- إلى الإجماع على أن ثقافة الارتجال التي تجرأ عليها الكثيرون كانت نابعة من ذات الجهة المسؤولة عن حماية هذه المواقع عبر اعتمادها على برامج وحلول إسعافية لا تخضع حتى لمعايير وطنية أو عالمية تهدف للحفاظ على ما يرمم، في ظل تسرب بعض مشاريع الترميم الخاطئة إلى الإعلام واعتمادها على مواد وآليات لا تمت للاحترافية بصلة وكل ذلك بحجة “الحلول الإسعافية”.

فما بين استعجال المواطنين المتضررين و”إسعافية” حلول الجهات المعنية يضيع الضائع ويدمر المدمر، بإنتظار الدول المانحة الغربية بأموالها ومناهجها الترميمية لإنقاذ الآلاف من التركات الأثرية!

“بلاوي” في حلب وغيرها

يقول المدير العام السابق لمديرية الآثار والمتاحف مأمون عبد الكريم: منذ تحرير مدينة حلب وحتى الآن مرت ثلاث شتاءات مطرية قاسية دون تقدم ملحوظ في حلول آنية تفضي بالمساعدة في ترميم إسعافي يمنع إنهيار الكثير من الأسقف والجدران الأثرية في مدينتها القديمة جراء مياه الأمطار التي تتسرب عبر أسطح مفتوحة، وتتغلغل في أساساتها مايهددها، بالإنهيار في أية لحظة.

ويشدد على ضرورة التحرك على المستوى الحكومي والشعبي لإنقاذ ما تبقى من آثار البلاد عبر وقف نزيف أعمال التدعيم والترميم الإسعافي الخاطئة والتي تشكل نسبة كبيرة من أعمال الترميم الحالية التي يأخذها المواطنون على عاتقهم دون أدنى مراعاة لنوعية المواد المستخدمة للترميم، ونجاعتها في المحافظة على حجارة المباني أو الأسطح، حيث يستخدم “البلوك” و”الإسمنت” في أعمال الترميم العشوائية هذه.

ويوافق وضاح محي الدين وهو أمين المتحف الإسلامي في متحف حلب والمسؤول عن المدينة القديمة سابقاً  على ماقاله عبد الكريم، ويؤكد محي الدين في تصريحات ل”هاشتاغ سوريا” أن الترميم يجري حالياً بشكل كيفي ومزاجي خاصة في حلب والسبب هو عدم وجود خبرات فاعلة في مديرية آثار حلب ومجلس مدينتها، بالتزامن مع غياب الرقابة أيضاً، ويضاف لما سبق عدم احترام المواطنين للتراث وغياب ثقافة قيمة الحجر المهدم، حيث أن 90 بالمئة من أحجار حلب الأثرية سرقت وتم نقلها إلى تركيا وغيرها من الدول، مبيناً: “لدينا أزمة وعي حقيقية  لا تقل خطراَ عن التخلي العالمي، حيث أن عمليات الترميم القائمة حالياً هي تدمير حقيقي للقيمة الأثرية لمدينة حلب ومعالمها بسبب إدخال مواد غير مناسبة في عمليات الترميم وذلك نتيجة حاجة الناس للترميم السريع في ظل غياب الرقابة الحقيقية على هذه العمليات، بالإضافة إلى الأخطاء المدمرة التي يقوم بها بعض المشرفين غير الاختصاصيين على عمليات الترميم”.

ويذكر محي الدين أن الأمثلة حول الترميم الخاطىء كثيرة ومنها أن أحد المستثمرين استأجر حمام الباب الأحمر الأثري في حلب من وزارة الأوقاف، وقام بطلاء القبة الأثرية باللون الأحمر باستخدام مادة لاصقة تلتصق بالحجر ولا يمكن إزالتها إلا بكسره لطلاء الجدران الأثرية أيضا..

كما قام مختار حي باب المقام بترميم سبيل الماء الأثري في الحي بمبادرة فردية منه، لكنه استخدم الصاروخ الكهربائي بطريقة “الجلخ” لتنظيف أحجاره الأثرية.

ويضيف محي الدين أن كنيسة “الروم الكاثوليك” وكنيسة “الأربعين شهيد” التابعة للأرمن الأرثوذكس في حلب تم ترميمها من خلال مبادرات فردية دون أدنى رقابة من مديرية الآثار والمتاحف في ظل عدم التصريح عن طبيعة المواد المستخدمة في عمليات الترميم هذه، أو منهجها.

وأردف أن هناك العديد من الطرق الخاطئة في الترميم مازالت تمارس حتى الآن، متسائلا عن السبب في عدم تعميم تجربة ترميم الجامع الأموي في حلب والذي تم ترميمه بطريقة احترافية تحت إشراف مديرية أوقاف حلب ومديرية الآثار والمتاحف، فأحجاره على سبيل المثال تم ترقيمها لتوضع بعد ترميمها في نفس مكانها السابق.

كما أن هناك العديد من الترميمات الخاطئة التي تم الكشف عنها في مناطق أخرى غير حلب، كالقيام بأعمال ترميم في واجهة البرج الأثري في صافيتا والتي أثارت حفيظة السكان آنذاك والذين قاموا بدورهم عبر حملة على مواقع التواصل الاجتماعي لإيقاف الترميم.

ويشير محي الدين إلى أن هناك قانوناً وخططاً ترميمية خاصة بمدينة حلب وضعتها البعثات الأثرية الألمانية، وهي مناهج محترفة رائعة لا يلتزم بها أحد ولا حتى تعتمدها مديرية الآثار والمتاحف.

لاحول ولا قوة

بدوره يقول محمود حمود المدير العام الحالي لمديرية الآثار والمتاحف أن المديرية لا تعمل على مشروع ترميمي شامل على مستوى كلي، وإنما بشكل جزئي، حيث يقتصر عملها على التدخل لمنع وقوع بناء أو جدار، لافتاً أن الأعمال حالياً تقتصر على كل ماهو مهم وإسعافي، مشيراً أن الترميم ليس من مسؤولية الحكومة السورية وحدها وإنما هو واجب على كل المنظمات الدولية والعالمية.

فيما يؤكد المدير العام السابق لمديرية الآثار والمتاحف مأمون عبد الكريم أن الترميم في سوريا حالياً يكون بمجمله عبارة عن مبادارت فردية، فكل شخص يرمم منزله مثلاً حسب رؤيته ومسؤوليته الشخصية وهو مايشكل جريمة كبيرة منبعها الجهل بقيمة ما يرمم بحثاً عن المنفعة الشخصية أو المادية، بعيداً عن أنظار الجهات المسؤولة وفي ظل تقاعس المجتمع الدولي واليونسكو والمنظمات الدولية الذين لم يقدموا إلا مبادرات محدودة، ومبالغ مادية بسيطة مقارنة بحجم الكارثة الأثرية الموجودة والتي كان سببها الإرهاب الذي طال أجزاءاً من سوريا.

ويبيّن عبد الكريم أن هذه المشكلة بحاجة لتحريك الرأي العام العالمي فيها عبر تغطيات إعلامية عالمية تتوقف بعد البدء فيها بأشهر وذلك لاعتبارات سياسية تستهدف الدولة السورية التي من مسؤوليتها التوعية والرقابة الداخلية على الآثار.

الخبرات في منازلهم

وعلى سبيل اقتراح الحلول من أصحاب الاختصاص والمطلعين يقول مأمون عبد الكريم أنه لابد من تشكيل بعثات وجهات وصائية تشرف حتى على أعمال الترميم الإسعافية بالرغم من الكثير من الصعاب، وفي ظل غياب الموازنات المالية التي حرمت منها سوريا للترميم الصحيح والدقيق رغم أن سوريا تملك خبرات وطنية عالية المستوى وعلى قدر وطني عالي، إلا أن الكثير منهم -الخبرات- جالسون في منازلهم.

ويشير عبد الكريم إلى أن المديرية العامة للآثار والمتاحف بمهندسيها وشركاتها وخبراتها بحاجة أيضاً للاتفاق على معايير عالمية موحدة لتشجيع الدول المانحة على ضخ الموازنات المالية والخروج من إطار الارتجالات الفردية لتصبح مشروع وطني للترميم يخضع لمعايير وطنية وعالمية يلزم بها الجميع أفراداً ومؤسسات.

وأكد أن سوريا تملك الأدوات والإمكانات والفكر، لكن ماينقصها هو المعايير والقوانين والأنظمة التي لا تسمح بالترميم الكيفي عبر إشراف مباشر من الجهات المسؤولة بدءاً من المديرية العامة للآثار إلى المحافظة إلى الوزارات المسؤولة لحماية استثمار التراث ولرفع السوية الأثرية.

لسنا شحادين!

يضيف عبد الكريم أنه وللحصول على أرقام وميزانية عالمية لترميم الآثار في سوريا لابد لنا من القدرة على بناء ثقة عالمية للترميم، فنحن بحاجة لعلاقات دولية قوية وأموال في ظل موازنة حكومية ضعيفة لا يمكن لها أن تتحملها، كما أنه لابد لمنظمة اليونسكو العالمية وغيرها من المنظمات أن تتحمل مسؤوليتها، فآثار سورية هي ملك ومسؤولية عالمية، ونحن لا “نشحد” منهم.

ونوه عبد الكريم إلى أن التجاذبات السياسية لها إنعكاس مباشر على الدعم المالي واللوجستي المقدم من قبل المنطمات الدولية لترميم آثار سوريا وهو أمر لا يخفى على أحد، مبيناً أن مدينة الموصل العراقية على سبيل المثال ضخت فيها ميزانية فلكية تقدر بملايين الدولارات لإعادة ترميم ماتم تدميره ونهبه من أثارها، عدا أن المنظمات الدولية أرسلت مئات البعثات إليها بهدف سبر وتوثيق الإنتهاكات بحق الأثار العراقية.

حماية الإرث

لا شك أن تحسين الظروف المعيشية والاقتصادية للمواطن السوري هو على رأس أولويات الحكومة خاصة في ظل الظروف الحالية، ولا شك أن خطط إعادة الإعمار  ستظهر في وقت ما وتنتقل إلى مرحلة التنفيذ، لكن من الأولويات أيضاً – حسب المنطق – التركيز على حماية تاريخ وإرث ونسب هذا المواطن الوطني والقومي والاستماتة لمنع طمسه، ولابد أن يكون أولوية ومطلبا ملحا للجميع بالتزامن مع مطالب واحتياجات المواطنين المرحلية.

’الثقافة الأثرية‘ الغائبة.. دفعت ابن البلد لتهريب آثارها.. مدرسو ’قسم الآثار‘ في الجامعات غير مختصون والخريجون نهايتهم في المقاهي والشوارع!

ليلاس العجلوني

على الرغم من الرحلات التي كانت تنظمها المدارس السورية إلى المواقع الأثرية كتدمر وبصرى وقصر العظم إلا أن أجيالا من السوريين كبروا وهم يجهلون تماما القيمة الحقيقية لهذه المناطق وأسماء الآثار التي تمتلكها سوريا ولأي العصور تعود وإلى أي مرحلة بشرية تشير، فالرحلات لهذه المناطق لطالما كانت تجري تحت مسمى “السيران حيث يتم التحضير لها بالتزود بأنواع من الأطعمة والمشروبات لتنتهي في كل مرة بالتقاط الصور  والعبث بالآثار .

تنتهي الرحلة بأن الطلاب ما زالوا يجهلون أي معلومة عن تلك آثار بلادهم فيما تحرص وزارة السياحة على وجود دليل سياحي مع كل وفد أجنبي يزور مواقعنا الأثرية؛ يشرح لهم عن الآثار والأوابد التاريخية ويقدم، ويقدم لهم كافة المعلومات ويروي لهم كافة الحقائق، ليضحوا في نهاية الزيارة يملكون معلومات وانتماء لآثارنا أكثر منا، وهو ما يفسر حالياً غياب الثقافة “الأثرية” عند العديد منا ويفسر اهتمام الغرب الواسع بآثارنا، وبطبيعة الحال يفسر قيام العديد من السوريين بالمساهمة بتخريب وتهريب آثارثا ، والمتاجرة بآثار بلادهم

لم تزور متحف دمشق أي مدرسة عامة!

صحيفة ديلي ميل البريطانية صنفت متحف دمشق على أنه من أهم 10 متاحف في العالم لأنه يحتوي على آثار لحضارات متنوعة، إلا أن مدير عام الآثار والمتاحف في دمشق محمود حمود أكد لـ”هاشتاغ سوريا” أنه حتى الآن لم تقم أي مدرسة حكومية بزيارة هذا المتحف المصنف منذ إعادة افتتاحه منذ أكثر من عام! كاشفاً أن القليل من المدارس الخاصة زاروا المتحف تحت مسمى “السيران” والترفيه.

أبناء البلد يهربون تراث البلد!

وأضاف حمود أن الأزمة أثبتت غياب الوعي بقيمة التراث الثقافي السوري لدى شريحة كبيرة من المواطنين ومن كافة الفئات حتى المثقفة منها، لاسيما بالمواقع الأثرية المنتشرة في كافة أرجاء البلاد، والتي ساعد عدد كبير من أبناءها على تهرب آثارها، موضحاً أنه دائما ما يرتبط موضوع الآثار بالكنوز والذهب، ويغيب عن بال الفئات المهربة أن قطعة من الطين قد تساوي ما هو أهم من الذهب كأبجدية أوغاريت مثلا، مبيناً أن العديد من المواطنين بسبب جهلهم بقيمة الأوابد والصرح الأثرية، ساعدوا في عمليات التنقيب العشوائية التي حدثت تحت الأبنية الأثرية في بصرى الشام ما أدى إلى انهيار عدد منها.

تربينا على “اللاثقافة” الأثرية!

وأشار حمود إلى غياب المنظومة التربوية التوعوية التي توصل قيمة هذا التراث وهذه الآثار للأجيال الناشئة غياباً تاماً، مبيناً أنه لو عملنا على وضع استراتيجية ومنهجية لرفع الوعي بقيمة التراث التي يعرف العالم قيمتها أكثر منا بآلاف الأضعاف لما كان العديد من المواطنين ساهموا بتهريب الآثار وتدميرها خاصة في المناطق الشمالية حيث يساعد البعض، الجيش التركي المحتل بتهريب القطع ذات القيمة العالية.

وحول كلية الآثار ومناهجها أوضح حمود أن مناهج الكلية ماتزال شبه نظرية وذلك رغم تنظيم بعض الورشات وأعمال التنقيب السنوية، مبيناً أن الكلية تفتقر للكادر التدريسي المختص القادر على تأهيل الطالب تأهيلاً يمكنه من المساهمة بترميم المواقع الأثرية وحمايتها، مبيناً أنه قبل الحرب كان خريج دبلوم تربية يدرّس 6 مواد في كلية الآثار في إدلب، وأحد الدكاترة ليس له علاقة بالتنقيب واختصاصه تاريخ روماني حديث، يدرّس منهجية التنقيب الأثري!.

خريجو الآثار مرميون في الشوارع

الأستاذ في جامعة دمشق قسم الآثار مأمون عبد الكريم أكد أن خريج قسم الآثار مصيره “الشارع” والعمل في المطاعم والمقاهي، مبيناً أن العدد الذي توظفه المسابقات العامة لخريجي الآثار لا يتجاوز الـ 15 طالباً، موضحاً أنه من المفترض تحديد استراتيجية جديدة لتوزيع الخريجين على القلاع والمتاحف وتعينهم لمراقبة المناطق الأثرية كدمشق القديمة والاستفادة منهم في موضوع الترميم.

وأوضح عبد الكريم أن إعطاء قيمة وتوظيفات جديدة لطالب قسم الآثار يمنح الآثار السورية قيمة مضافة، مبيناً أن للخريجين دور مهم في عجلة الترميم وإعادة إعمار سوريا، إلا أنه للأسف أغلب الجامعات التي تعمل على مسمى “إعادة الإعمار” جل ما تقدمه الندوات والاحتفالات والمؤتمرات الفارغة.

أسلوب المدارس الابتدائية

وبالنسبة لاسلوب التدريس في كلية الآثار يقول أستاذ قسم الآثار، إن أسلوب التدريس المتبع في جامعة دمشق قسم آثار، هو ذاته الأسلوب الذي يتبع في المدارس الابتدائية، حيث يعتمد على تلقين المعلومة فقط “نظرياً” ضمن المحاضرات ثم تصحيح أوراق الامتحان والعودة للمنزل، إضافة إلى غياب التنسيق بين أقسام الآثار في كافة المحافظات.

الجامعة تعرقل تطور أساتذتها!

من جهة أخرى يؤكد عبد الكريم أن الجامعات السورية لا تسهل مشاركة أساتذتها في المؤتمرات العالمية بل أنها تعرقل ذلك في كثير من الأحيان يقول: للأسف إدارة الجامعات السورية لا تجشع أساتذتها لحضور المؤتمرات العالمية للمنظمات الدولية ولا تمنح الأساتذة أي مبالغ إضافية ولا حتى إجازات تخولهم من السفر لحضور المؤتمرات، وفي كل مرة تصل فيها دعوة لأستاذ جامعي لحضور مؤتمر في الخارج تعمل إدارة الجامعة على عرقلة الموضوع وإحاطته بالكثير من التعقيدات، متسائلاً كيف لنا إطلاع المنظمات الدولية عن الجرائم التي ارتكبت بحق آثارنا وإقناعهم بمنحنا التمويل اللازم للترميم ونحن جالسون على كراسي الجامعة وخلف مكاتبنا فقط؟!

المسؤولية الغائبة

تجاهل تربية جيل يقدّر قيمة آثار بلده.. انتهت بنا إلى تساهل الكثيرين في تهريب الآثار أو إهمالها بالحد الأدنى.. ودفعت المواطن لرفع المسؤولية عن نفسه تجاه أي تخريب تتعرض له، فكيف لجيل لا يعلم قيمة الآثار الموجودة في بلده أن يكون حريصاً على الحفاظ عليها؟!

لمتابعة أخبارنا على التليغرام

Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.