مدينة النارنج براءة من الدراما

مدينة النارنج قرف وسماجة وبراءة من الدراما

عبر مجموعة من نجوم الصف الثاني والرابع استطاع المخرج كارو أرادار أن يسيء لتاريخ الدراما العربية عموما والسورية بشكل خاص, فكمية القبح والسماجة ربطها باسم “مدينة النارنج وزنوبيا” والنارنج كما هو معروف شجرة اشتهرت فيها مدينة دمشق وبلاد الشام, أما اسم زنوبيا فهو اسم الملكة بطلة العمل وهو مطابق لاسم الملكة العظيمة زنوبيا التي صنعت أمجاد تدمر.

غير أن فكرة العمل مستوحاة من الصراع التاريخي بين العرب وما أطلق عليه سابقا مصطلح “الفرنج” أو بين التدمريين والرومان, وتدور أحداث ما قدم على أساس أنه (عمل درامي كوميدي) بين مدينة النارنج ومدينة الإفرنج عبر صراع ساذج وسخيف أبعد ما يكون عن الدراما والكوميديا ولا يرتقي فنيا لمستوى ما عرفناه بالتهريج.

المؤسف أن بعض الصحف روجت للعمل حتى قبل أن تشاهده على أنه عمل تاريخي كوميدي وبعضهم اعتبره فانتازيا والبعث ميديا وصفته بأنه “تفوق كبير ورؤية واضحة المعالم” كما أن المخرج أرادار اعتبر في حواره مع الصحيفة ذاتها:”أن هناك ضياعا في الدراما والمواضيع المقدمة التي كانت سببا في تشتيت المشاهد مؤكدا أنها خلطة سخيفة ولا قيمة لها بأن نقدم عملا عربيا مشتركا فيه الأب سوري والأم مصرية ويجب أن تقدم الأعمال العربية بطريقة مدروسة”!! مؤكدا أن الدراما السورية تخطت الأزمة, لكن للأسف لم ينتبه أن هذا النوع من الأعمال وما قدمه هو أحد أسباب أزمة الدراما وانحطاطها من موقعها التي تصدرته لأعوام.

لكن المثير للسخرية والاستغراب أن نشاهد هذا النوع من الإسفاف على قنواتنا وأن تعرضه قناة سورية دراما وتهلل له صحيفة سورية, أولا يعتبر وصفه بالكوميدي أو التاريخي أو الدرامي إساءة لكل هذه الأسماء العريضة, هل هذا هو التفوق الكبير والرؤية واضحة المعالم؟

أما الاشمئزاز والقرف فهو من الجوائز التي تقدم لهذا النوع من الأعمال فالعمل نال جائزة أفضل مخرج في مونديال القاهرة للأعمال الفنية والإعلام بسبب النجاحات والإبداعات التي أثرت الحياة وأضافت لها قيما ترتقي بها البشرية, لكن أي قيم وأي إضافات قدمها هذا العمل السؤال برسم من يبيع الجوائز في المهرجانات العربية.

ربما استطاع بعض الفاشلين بالإخراج المسرحي أن يوهموا المتفرج والجمهور بالتجريب أسوة ببريخت لكن هذا المرض لا أعتقد أنه يصيب الدراما ولا يمكن إقناع المشاهد بهذه الكذبة مع كل هذا التخريب, نعم إنها نقلة نوعية في تاريخ الدراما لكن إلى الحضيض, وهي أكثر من مفاجأة للجمهور يمكن الجزم أنها بمثابة صدمة مثيرة للتقيء, تبديل اللهجات واللغة التي تتجول وتهان بين العامية والفصحى تارة, وبين ألفاظ ومفردات غير عربية, تارة يدخل أورغا وتارة حاسبا محمولا
تجميع نكات وإقحامها, ثرثرة من غير حكاية ولا سيناريو, لا أداء ولا إخراج, لم نشاهد أفعالا كوميدية ولا تهكما, حتى التهريج فن له ضوابط حتى لا ينقلب إلى سماجة, المخرج يدخل أمام الكاميرا ونسمع صوته يقاطع الحكواتي, الحكواتي يأكل صحن حمص بخبز كندي, السجين يطلب فطور كونتيننتال و كرواسان, العرافة تحمل بيد لابتوب وبيدها الأخرى مقشة وتطالب بخط نت لتقرأ الطالع وتكشف البخت, كريمات عالمية, كلمات من العصر العباسي ولباس من المملوكي وأغاني أجنبية وتجميع ألفاظ نابية ومفردات عامية من مختلف شوارع العواصم العربية, يطل علينا مراسل قناة إخبارية لا نعرف لماذا ولا المناسبة لكنه استطاع أن يبالغ في الإسفاف والقذارة بنطق اسم المحطة “افسي افسي” في نهاية تقريره المقرف.

لطالما كانت الأعمال الفنية و منها الدرامية بمثابة وثيقة على حضارة مرحلة وهذا العمل يؤكد أنها مرحلة انحطاط قيم وأخلاق ناتج عن تصرفات غير مسؤولة بالنسبة لكل من شارك في إنجاز مثل هذا النوع من الأعمال أو منحها جوائز, الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكون منطقيا فيما شاهدناه أنه عمل عربي مشترك, فالعرب لم يجتمعوا إلا للخراب وهذه المرة خراب شكل الدراما والكوميديا فلا دراما ولا فعل, لا صراع ولا رومانسية, ولا يوجد أي تشويق أو إثارة أو مفاجأة يمكن أن يشد المتابع ويجعله ينتظر هذه الوجبة من القرف والمهزلة والعبث. و يتحتم على القنوات إيقاف عرض هذا النوع من الخراب وعلى الفنانين السوريين المشاركين بهذه المهزلة تقديم اعتذار لجماهيرهم من كمية القبح والإساءة التي أضافوها لرصيدهم ورصيد الدراما السورية.


مقالة ذات صلة :

سامر إسماعيل : من يحارب الدراما السورية هم أبناؤها


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

نُشرت بواسطة

لؤي سلمان

شاعر وكاتب صحفي من مواليد حمص
لديه العديد من المقالات الصحفية والنقدية في الصحف كالحياة , والسفير ,والحوادث الكويتية إضافة إلى الصحف المحلية “تشرين ,الثورة ,البعث, القنديل..
له مجموعتي شعر بعنوان “لفافة الوقت” صادره عن دار بدايات لبنان2012.
وديوان “يسألونك عن الشعر” صادر عن دار التكوين دمشق 2015.
شارك في عديد من مهرجانات الشعر في سورية ولبنان ومنهم مهرجان صور.
كما شارك في مهرجان القصة القصيرة جدا 2015 مركز ثقافي المزة.
مهرجان القصة القصيرة جدا 2016 جمعية العاديات طرطوس.
له سيناريو روائي قصير “رانديفو”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.